لا أحد يمتطي ظهرك.. أنت من تنحني!

أنت من تقرر أن تعيش حياتك عزيزاً كريماً تسير بين الناس مرفوع الرأس منتصب القوام، أو أن تصارع الناس وتكابد الحياة كي تقضي أيامك ولياليك في أقفاص الذلة والمهانة يتلاعب بك المحتالون كالدمية ويركبون طهرك كلما أرادوا المسير إلى مصالحهم وبلوغ شهواتهم، مستغلين ضعفك وقلة حيلتك وخوفك من المواجهة؛ ليقضموا حقك قطعة قطعة، وأنت تنظر إليهم بعجز وجبن لا تستطيع تحريك ساكن أو تسكين متحرك.

وصفة الذلة لا تنشأ دائما بسبب حركة استعمارية خارجية تستولي على الإنسان، وتكبح من حرياته ونشاطه، وتفرض عليه بيروقراطيتها الصارمة، وإن كان هذا الأمر قد ظهر بقوة في كثير من المناسبات خلال موجات الغزو والتوسع في كثير من الدول والحروب المدمرة التي نشبت بين كثير من الأمم، ولكن بفعل عطب آخر لا يقل تأثيراً عن البعد الخارجي ألا وهو الطبيعة الداخلية والتركيبة النفسية لبعض الأفراد التي ترفض المخاطرة والمجازفة، وتعتبر أن من الأسلم أن يطأطئ الإنسان رأسه، ويقبل بلعب بعض الأدوار البدائية التي مارسها الإنسان القديم زمن ما قبل الحضارة.

لقد قبل بعض من يعيش معنا ويتنفس هواءنا أن يكونوا عبيداً أذلاء لسيدهم يسوقهم متى شاء وإلى حيث أراد حتى أصبحوا كائنات بيولوجية لا يملكون سوى بعض الوظائف المحددة، ولربما تدخل السيد في طريقة أداء الوظيفة البيولوجية، وما على العبد إلا أن يذعن ويجيب بنعم، فلا النافية قد نسختها الذلة من قواميسه المفرغة من مفردات ومعاني العزة والإباء. وبدوران رحى النكسات وتجدد الصفعات يستمرئ هذا الإنسان الضعيف العاجز جميع شروط ومرتبات الذلة، ويسجي الوقت الطويل في البحث عن تبريرات يراها منطقية لتسويقها للآخرين كي يقنعهم بصواب موقفه ورجاحة عقله، دونما تفكير في حياته البائسة وانحنائه المستمر في جميع المواقف الذي شجع اللصوص والمحتالين على ركوبه وهدر كرامته.

الحضارة الحديثة وسطوتها الماسخة، والبهرجة المخيالية للحداثة، والتمدد العنكبوتي للعولمة العابرة للقيم والأفكار سبباً في حالة الذلة التي يعيشها بعض الأفراد والمجتمعات والأمم بدفعهم رغماً عنهم إلى حظيرة العبودية

لكن ما لا يعلمه هذا الإنسان الضعيف المهزوم أنه بمجرد قبوله المبدئي بالانحناء، ورفضه مطاولة الذلة للذود عن حقوقه قد نزع عن نفسه صفة الإنسانية، وجرد كيانه الممزق من نعمة الآدمية التي اصطفى بها الله سبحانه وتعالى الإنسان عن باقي عُمّار الكون، ودنا إلى منزلة لا تقبلها الطبيعة البشرية السليمة؛ فالكرامة هي الصفة الأسمى التي وهبها الله للإنسان وميزه بها عن سائر المخلوقات؛ كي يكون مؤهلاً للتكليف وحمل دعوات المبشرين والمنذرين. ونتيجة لحالة الانحطاط المتراكم، وتردي الطبيعة الآدمية للإنسان تتحول صفة الذلة من عادة غير مستقرة إلى عبادة مطلقة للسيد، وتنحصر مطالب الإنسان في قضايا ثانوية تافهة، وينشأ جيل لا يؤمن بقيمة الحرية ومستعد كل الاستعداد للعيش تحت وطأة الاستبداد والدفاع عن المستبدين. وبالتالي تستشري الذلة في تركيب الإنسان المادي والوجداني والسلوكي، وتتلاشى معها أية قدرة مضادة من قبيل المقاومة والتمرد على الواقع، بعد أن أصبح الكسل واللامبالاة والإحباط شديد السيطرة على هذا العبد لا ينفك عنه البتة.

ومن المفارقة أن الإنسان الذليل الخانع يريد أن يرى الجميع يسير وفق منظوره القاصر، ويفكر بنمطيته المبتسرة، ويضعوه محل الاقتباس والاقتداء عند الحديث عن المثل العليا والقيم السامية التي من الواجب أن تتبع وتوضع حيز الممارسة؛ لأن وطأة الذل الصابغة على كيانه وسلوكه قد حرفت أية رؤية معيارية للذات والمحيط، وباتت مسألة الصواب والخطأ خاضعة لخوارزميات جديدة لم تألفها المعرفة البشرية من قبل.

وحياة الذلة هي ترجمة عملية للنظام الثقافي والاجتماعي والأخلاقي الذي يؤمن به الأفراد، ويعتقدون أنه من الواجب أن يسود بينهم؛ فالثقافة التي تحرض الفرد على: (أن يعيش حياته مغلوباً، ويتنازل عن حقوقه لغالبيه؛ كي لا يقع في شرك المجابهة، والتعرض للأذى والملاحقة)، هي التي زرعت في الإنسان الخوف والذلة، ونحتت في نفسه أصناماً وشيدت التماثيل لعبادتها، وفتحت شهية الطامعين لأكل حقوقه أمام عينه دون أن ينبس ببنت شفة. والثقافة التي تنادي بأن: (الوجه الذي تعرفه هو خير من الوجه الذي لم تألفه من قبل)، هي الثقافة التي كرست الفاشلين، وأنبتت المستبدين والفاسدين، وحرضت المنتفعين والوصوليين على النفاق كي ينعموا بحقير المصالح.

والمنهاج التعليمي الذي يقدم سردية أحادية، ويتعامل مع الأحداث بانتقائية مفرطة، ويترك للدارس الكثير من المساحات الغامضة هو الذي حفز الطلبة على قبول أي شيء يلقن إليهم، وعدم التجرؤ على اختبار صدقية ما يقدم من محتوى، وتمرير الأفكار المشوهة والنصوص المحرفة التي لا أصل لها في بطن التاريخ ومتونه. وبذلك وفر هذا النظام التعليمي الداجن الأجواء المواتية لحمل أبطال وهميين وثوار منتحلين إلى الصدارة، وبات من واجبنا التذلل والاستسلام لأفكارهم السقيمة.

وأكبر شريان مغذي لانتقال مشاعر الذلة إلى الكيان الآدمي ومسخه هو التأصيل الديني لهذه الصفة الذميمة الذي يروجه علماء السلاطين، وأصحاب فكرة طاعة ولي الأمر المتغلب؛ لتسفيه الخارجين على الحكام والرافضين لجورهم وفسادهم؛ كي ينعموا بأريكة السلطة الدافئة وأموالها الباذخة. وفي الحياة العملية، فإن كثيراً من المؤسسات والهياكل التنظيمية في المجتمع مبنية بالأساس على نحو يجعل الموظف محاطاً بستار كثيف من القيود واللوائح التي تحد من حركته، وتحارب تفكيره الناقد، وتضبط إيقاعه في منظومة هرمية مفرغة من أي معنى يحفز على العطاء. فدور الموظف ينحصر في تلقي الأوامر بصمت، ثم معالجتها بطريقة روتينية لا تخرج عن النمط السائد، يليه تقديم إجابات استهلاكية لا تكلف رب العمل الكثير من الوقت أو الجهد أو حتى تنشيط ملكاته الذهنية الخاملة؛ ليخضع بذلك الموظف الذليل لحالة من الاشتراكية السلوكية والفكرية التي تذوب في ثناياها هويته الخاصة، وتسحق إنسانيته في دواليب البيروقراطية، ويصبغ بثقافة استهلاكية لا تؤمن بالإبداع واقتباس كل ما هو عصري.

ومهما حاولنا تجميل العبودية، وإحاطتها بهالة دعائية رنانة، ومساحيق تؤجج سعار الشهوة والإغواء، وخطابات تتلاعب بقابليات الإنسان الفكرية، إلا أن وطأة الاستعباد والذلة أشد فتكاً من أي مكاسب وهمية أخرى تحاول أن تخفف من تكلفة العبودية الباهظة وسطوتها الماسخة التي لا تقبل بالحد الأدنى من الحياة الآدمية، وترفض خروج الإنسان عن القطيع ولو لبعض الوقت، وتجعله منديلاً ورقياً يتمخط به سيده ثم يلقيه إلى القمامة وهكذا يعيد الكرة مع غيره. نحن من هانت علينا نفوسنا، وقبلنا أن نكون صغاراً في عيون الناس، ولم نتورع عن الإمعان في السفاسف والتفاهات، وركوب مراكب الخزي ودفع أشرعته؛ كي نحظى ببعض الرضا الزائف والثناء الباهت، معتقدين أننا قد حققنا بطولات عظيمة، ومفاخر متأججة، وحضناً دافئاً لدى السيد يقينا زمهرير الحياة وضغط الحاجة، لكننا نسينا أننا حكمنا على أنفسنا بالذلة، وخلعنا ثوب العزة، وبتنا مصابين بعطب سلوكي وفكري من الصعب علاجه أو إصلاحه.

الخلاصة، قد تكون الحضارة الحديثة وسطوتها الماسخة، والبهرجة المخيالية للحداثة، والتمدد العنكبوتي للعولمة العابرة للقيم والأفكار سبباً في حالة الذلة التي يعيشها بعض الأفراد والمجتمعات والأمم بدفعهم رغماً عنهم إلى حظيرة العبودية، إلا أن هذا ليس كله القصيدة طالما أن كثيراً من الناس لديهم القابلية للعيش تحت نير العبودية، ومستعدين للتنازل عن الحد الأدنى من الحياة الآدمية، ولا يلتمسون الطريق السليم بالبحث عن دستور أخلاقي يهذب غرائزهم ويسموا بأرواحهم في عبقرية محكمة جوهرها التحرر من الذل والعيش بعزة وكرامة. والسؤال الذي يثير الفضول والدهشة: إلى متى نقبل على أنفسنا أن نعيش حياة القطيع يمتطي ظهرنا المستبدون والفاسدون؟ متى ننهض لتغيير واقعنا ونؤمن أن تكلفة الذل أكثر فتكاً من التمرد عليه؟ وأخيراً، متى نسير في مراكب التاريخ مرة أخرى ولا نرى في ابتغاء سبيل العزة خراباً ودماراً؟



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة