عن رواية لا تزال أحداثها جارية

blogs فيسبوك

تخبئ لنا الحياة ما يكفي من المفاجآت، ولا تكون هذه المفاجآت عند مستوى تطلعاتنا في الغالب، ومن الناذر أن تهب لنا الحياة نفسها لو صح هذا التعبير، هكذا تبرر لنا من خلال هذه المفاجآت وجودنا الذي امتلاء بالخيبات، وفي لحظات تمر بسرعة نتذوق طعم الوجود المرغوب، لكن فقط مع من يدركون قيمتنا، أولئك الذين صار وجودهم ضروريا لنا، ويجعلون المفاجأت مميزة إلى حد كبير، وخصوصا عندما تجمعنا بطريقة ملائمة مع أولئك الذين كنا نستبعد انضمامهم إلى حياتنا بشكل أو بآخر. كان بالإمكان أن تحدث هذه الصدف قبل وقتها، لكن في الغالب لن يكون رونقها بالشكل الذي نشتهي، ولهذا تحدث الأشياء الجميلة من تلقاء ذاتها، في الوقت الذي ينبغي لها أن تحدث، هكذا تسير الحياة، والأشياء تمضي إلى حيث مفترضا لها ان تمضي.

 

لم يكن لائقا أن يحدث هذا اللقاء قبل الآن، فلو حدث بتلك الطريقة البشعة، التي لا تزال تخيم على مرآى من ذاكرة أنير المليئة بالأحزان، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد من الانسجام، حصل انسجام عميق بينهما، لم يكن ليكون كذلك لو اتفقا في لقائهما الأول على الكذبة الصادقة، آنذاك لم ينضجا بشكل كافي ليدركا طبيعة العلاقة التي قد تنجح بينهما، لا يزال يحتفظ بتلك الذكرى المريرة والجميلة في الآن ذاته، أما تتريت فذاكرتها المريضة بالنسيان لم تكن لتسمح لها بتذكر تفاصيل تصادفها كثيرا وسط مجتمعها المتخلف، لم يجد غير التسلل إلى جانبها في الطريق، ربما ضايقها الأمر دون أن تعبر عن ذلك، لكنها سايرته في نقاش مصطنع، يتظاهر فيه كل واحد منهما بمثالية زائفة، كان نقاشا رسميا يختلف كثيرا عن نقاشاتهما التي ورطهما فيها الحب في لعبته المعقدة.

 

بعد غياب التواصل بينهما لفترة لا بأس بها، تواصلت معه لغرض يهمها، فرحب بها من جديد، ولعل ذلك كان بمثابة مركب للإبحار نحو العالم الجديد، والذي صار عليهما أن يتدربا على طقوسه

استقلت تتريت سيارة الأجرة دون أن تترك له رقمها أو شيئا يبقيهما على تواصل، لكن طبيعة نقاشهما الخالي من الكلمات المؤثرة، لم يكن ليسمح باستمرار التواصل بينهما، كل ما هنالك أن تلك الذكرى بقيت في ذاكرة أنير محفورة، حتى حان موعد تذكرها، وهو الموعد الذي حدث بعد أن وصلته دعوة عبر الفايسبوك، بعد تلك الذكرى بكثير من الشهور، في الغالب لم تكن تتذكره، لأن سبب تلك الدعوة لم تكن له علاقة بلقائهما العشوائي، كانت دعوة مفعمة بالدراسة، وهو الذي لم يتردد في قبولها، إذ بمجرد ما دخل إلى صفحتها، تذكر لقائهما المنسي، فتساءل باندهاش: هل يحدث أن تحدث هكذا أشياء؟ أم أن ما يجري بعيدا كل البعد عما يجول بخاطري؟ لا ينبغي أن نوافق مزاعمنا في الغالب، لأنها قد تخالف الصواب، لو صح أن هناك صواب.

 

اعتقد أنير المسكين أن ما يجري مرتبط كليا بلقائهما المنسي، واعتقد أنها تذكرت ذلك، وقررت أن تتصالح مع تلك الذكرى الحزينة والمملة، والتي صارت سعيدة بعد أن احتلت جزء من ذاكرتيهما الغرامية، اعتقد أن كبريائها كان مصطنعا آنذاك، بينما الحقيقة تفسرها هذه الدعوة التي تجلت بعد طول غياب، أو لعله انتظار لو صح أن أنير كان ينتظرها فعلا، قد ينتظرها دون أن يدري، وتبدد كل ذلك بعد أن اكتشف سبب تلك الدعوة الهادفة إلى الدراسة لو صحت أقوالها، هكذا صارا صديقين على الفايسبوك بعد لقاء تُقسم تتريت بأنها لا تتذكره، رغم كل ما كان يبدله لهذه الغاية، نخطئ حين نربط أحداثنا بالقدر، يبدو أن الحياة عشوائية أكثر مما نتصور.

 

يتسلل الملل إلى أكثر العلاقات نجاحا لو صارت مشروطة بشيء ما، وتتذمر أقوى العلاقات عندما يتقيد بها أطرافها، وتنجح العلاقة في الغالب كلما سارت دون تدخل من طرف أطرافها، من الجميل أن تتحول الصداقة إلى حب، وفي المقابل يصير مثيرا للسخرية أن نتحدث عن حب تحول إلى صداقة، لن تعود الأمور إلى سابق عهدها مهما تظاهر أطراف العلاقة بالعكس، وقد تكون الصداقة طريقا إلى حب ممكن لو حصل اقتناع متبادل بين الطرفين، بعيدا عن التسرع المصحوب برغبة غير واضحة، هكذا يمكن أن نتصور علاقة ناجحة إلى حد ما، ينبغي أن نستعين بالوعي لنجعل العلاقة ممكنة، ولكي نتحرر منها، ونحرر أنفسنا من قيودها، وهكذا يمكن ان نتوقع نجاحها.

 

كانت الجامعة مكانا مناسبا لإلقاء التحية بين أنير وتتريت، وكان الفايسبوك ملاذا لتواصل افتراضي بينهما، سرعان ما كان الملل يتسلل إلى نقاشاتهما الافتراضية، فأنير لم يدرك كيف يبادر إليها، دون أن يتوقع فشل المبادرة، ثم إن تتريت نشأت في مجتمع يمنع الأنثى من المبادرة، حتى لو كان انجذابها أقوى، هكذا ظلت علاقتهما الافتراضية والواقعية في الآن ذاته، تتدبدب بين الغياب والتواصل الممل، دون أن يسلكا سبيلا ملائما نحو بعضهما، كان ينبغي أن يجتمعا بشكل مباشر ليشعرا ببعضهما البعض أكثر، لأن أجواء الجامعة لا تسمح بذلك، ولأن اللقاء من شأنه أن يوطد حقيقة علاقتهما الغامضة.

 

بعد غياب التواصل بينهما لفترة لا بأس بها، تواصلت معه لغرض يهمها، فرحب بها من جديد، ولعل ذلك كان بمثابة مركب للإبحار نحو العالم الجديد، والذي صار عليهما أن يتدربا على طقوسه. اقترح عليها أنير لقاء في المقهى، فقبلت تتريت ذلك بكل سرور، فكان ذلك بمثابة النقطة التي أفاضت كأسا من المشاعر كانت مخبأة بعناية بينهما، فكان اللقاء الأول في المقهى رسميا حد الملل، رغم النظرات العاطفية التي كان تحوم حولهما بين الفينة والأخرى، كأن الحياة خففت من إيقاع لقائهما الكبير، وهو اللقاء الذي تنتظره اعترافات تبدد حقيقة ما كان يعتقده تجاهها، لابد أن الحياة تمتحننا على مهل، قبل أن تهب لنا ما نشتهي ببطء شديد.

 

بعد اللقاء الثاني والثالث، جاء اللقاء الرابع الذي فضح ما كان يدورا سرا بينهما، فاضت المشاعر بقوة بينهما، ومن هنا ابتدأت الحكاية، وهي الحكاية التي تورطا فيها دون أن يقررا ذلك، تجلب لنا المشاعر الكثير من السعادة لو اخترنا شريكنا بكل اقتناع وبعيدا عن التسرع، هكذا صارا يشعران بأنهما متكاملان ومنسجمان، لكن ما يخبئه الحب يستعصي على التوقع، نتوقع جميع الاحتمالات في الحب، وهو الوحيد الذي نختار بعاطفة رقيقة أن لا نتوقع منه الأسوأ، وفي الغالب لا نتوقع من الحب إلا ما يمكن أن يكون جميلا، خصوصا إذا كان مبنيا على اقتناع قوي، والحب الناجح هو ذلك الذي لا تحيطه التوقعات، بل يسير إلى حيث مفترضا له أن يسير.

 

قد لا يرتبط الحب بالوعي لو أردناه أن يكون صائبا من الناحية العاطفية، لكن الوعي يجعل الأمور صائبة حتى في الحالات التي تستعصي على الصواب، لقد اختارا بوعي كيف تسير علاقتهما، ويدركان بوضوح أن نجاح علاقتهما رهين بالوعي، لقد منحهما هذا الأخير حرية غرامية، استطاعا أن يبنيا من خلالها ثقة تؤكد أن تحررهما من قيود العلاقات النمطية سبيل أنجع للمضي قدما، لقد كان الوعي حلا مناسبا لهما ليختارا بعناية كيف يتجاوزان الملل الذي في الغالب يفتك بالعلاقات، حتى تلك التي يتظاهر فيها أصحابها بالعكس، نقضي على علاقتنا عندما ندقق في التفاصيل، وعندما لا نترك الشريك يشعر بحرية في خياراته، هذه الأمور تدفعنا بشكل أو بآخر لكي نختار الجانب المظلم من العلاقات، قبل أن تنتهي..