التواضع مغرس كل فخر

blogs تأمل

قد يأوي الإنسان لسد بعض احتياجاته وأمراضه النفسيّة، فيغمر قلبه بالجهل والظلم، فتلك الأخلاق انعكَاسات النفسِ عَلى صاحبِها، ومَبعث يَنبوعِها، فِي استقَامتها وانحِرافِها، فالغُرور داءٌ، وشعورٌ مصدرهُ النَقص لا الثقَة. قد يغترُ الإنسانُ بكَثرة ماله أو حسن جماله أو قوَة سُلطتهِ، ولَم يفقَه يَوماً بأنَ دوامَ الحالِ مِن المُحال، يَقول اللهُ تَعالى فِي سُورة غافِر، آيَة رقَم (35) "كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ"، فيُغالي المَرءُ في تقييم نفسِه، وتَثمينِ فَضائلها، مُختزلاً محاسنَ غيرهُ ومُستصغرها.

 

إنَّ الغرور والتكبر أشد الآفات غطرسة وعجرفة، خطت تأثيرها، وطَفت سَطوتهُا عَلى المرءِ والمُجتمَع، فغَدت بِهالةٍ مِن التصلّف والعتوّ، وحبِّ الذاتِ والأنانيّة ضلالةً كانَت أم عَلى بيّنة وَحقّ، يَقولُ اللهُ تَعالى في سُورة الأعرَاف، آيَة رقَم (146) "سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ"، والكِبر حينَ يستَشري في نفسِ المَرء، يستَحكم قَلبه، ويُفتن عَقله، مُتغاضياً عَلى نَقصه، مُشهّراً سَوءة غَيره، وإن تكلّم تبجَح، وإن مَشيَ اختَال، وإن نَصحَ تَباهَى، وإن سَاعدَ تَعاظَم، وإن أعطَى شاخَ، ويُسهبُ في الزهوِ والإعجَاب في نفسهِ، يقولُ الله تعالَى فِي سُورة لُقمَان، فِي آيَة رقَم (19) "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ".

 

إيّاك والغُرور، فما هوَ إلَا تِيه وحبّ للظهور، فالتكبّر أخلاق اللئَام ووجهٌ من وجوه الظلام، والتَواضع أخلاقُ الكِرام ووَجهٌ مِن وُجوه الوئِام، وَلا تَمشِ فوقَ الأرضِ إلا تَواضُعاً

المرء التَقيُّ مَن يُقدّر غيرهُ، فالأخلاقُ الكريمة خير سندٍ ومدد، والأخلاقُ الخَبيثَة تَحطيمٌ وَتهديمٌ، ومَن رأى فِي نفسهِ الاستِعلاء، فليسَ لهُ فِي التَواضعِ نصيب، ولا مِن مَحبة الناسِ قَريب، فِشعورُ السُموّ وَتَوهّمُ العُلوّ مَا هوَ إلا وباء يورد صاحبه إلى المهالك. كثيرٌ ممّا يخلطُ بينَ الثقَة بالنَفس والغُرور، وشتَانَ ما بينَ هذهِ وذّاك، فالثِقةُ لا تكونُ إلا بإنجازِ الوَاجبِات، وإحرازِ النَجاحَات، وَاجتِيازِ الصُعوباتِ، والفِطنة في الفِعلِ، والحِكمَة في القَول، بِنَقيض الغُرور الذي تحدّث اللهُ عنهُ فِي سُورة غافِر، آيَة رقَم (56) "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ"، فالكبرياءُ نَصيبُ المُغفّل.

 

العِزةُ ليَست تَكبراً أو تفاخُراً وليست بغياً أو عدواناً وليسَت هضمَاً للحَق أو ظُلماً لإنسان، وإنّما هِي الحِفاظ عَلى الكَرامة وَالصّيانَة لمَن يَجب أن يُصان، وَلذلك لا تتعارضُ العزةُ معَ الرحمَة، بَل لعلَّ خَير الأعزّاء هُو مَن يكونُ خَيرَ الرُحَماء، إذ قال الله تعالى "وَإنَّ ربكَ لَهو العَزيزُ الرَحيم". إن كريمَ الأصلِ كالغصن ِكلّما ازدادَ من خَير تواضَع وانحنَى مَباهجٌ الدنيَا تُلهي ضعَفاء الإيمَان، وفقَراء الأخلاقِ، والسنابلُ الفارغة تَرفع رأسَها عالياً، ومهَما تَفاخرَ الإنسَان فَلَن يَخرقَ الأرضَ بوطئتِهِ، وَمهمَا تَطاولَ لَن يَبلغَ الجبالَ طُولاً، فلمَ الَعجرفَة والغَطرسَة، وأنتَ مَخلوقٌ تَسيرُ فِي مُلك الله وَحده.

 

إنَّ التَواضع سمة أهل العلم والفهم، أودعها اللهُ في نُفوس الأنبياءِ، وَوَرثَها العُقلاء والنُبلاء، وَأمَا الخُيلاءِ والكبرياء مَا همَا إلا سِقام وخيَم، دبَّ بينَ الناس كالنارٍ في الهَشم، وَما إن بثَّ سُمومهُ في المُجتمعِ إلا وقَد تَصدّعت بُنيانُه، وتهَشّمت أركَانه، وتَشقّقت عمدَانه. التبختّر مُوجبٌ للشقَاء، والتجبّر مُسوّغ للعَناء، وَسُقم عَليل، وشرّ مُستطير، وخطيئةٌ إبليسيَة، فذاك الذي توهم بأنّ التَفضيلَ في المَظهَر لا فِي الجَوهَر، ونَسيَ قولُ اللهِ تَعالَى في سورة الحجرَات، آيَة رقَم (13) "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"، فيحشرُه اللهُ يوم القيَامة تحَت أقدام الناس، فَمن تكبّر عَلى الناسِ ذَلهُ الله، قالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليهِ وسلّم: (لا يَدخل الجَنّة مَن كَانَ في قَلبهِ مِثقال ذَرة مِن كِبر)، وَما تكبّر أحَد إلا لنقصٍ أو عيبٍ فِي نفسه، فالكبر يسلب الفَضيلَة ويكسب الرذيلَة، ونَصيبُ المُغفّل.

 

إيّاك والغُرور، فما هوَ إلَا تِيه وحبّ للظهور، فالتكبّر أخلاق اللئَام ووجهٌ من وجوه الظلام، والتَواضع أخلاقُ الكِرام ووَجهٌ مِن وُجوه الوئِام، وَلا تَمشِ فوقَ الأرضِ إلا تَواضُعاً فكَم تحتَها قومٌ همُ منكَ أرفَع فَإِن كنتَ في عزِّ وخير ومنعة فكم ماتَ من قومٍ منكَ أمنعُ.

 

اقتِباسَات

تَواضَع تَكن كالنَجم لاحَ لناظرِ عَلى صَفحات المَاء وهوَ رفيعُ

ولا تَكنْ كالدّخان يرفعُ نفسَه إلى طَبقات وهوَ وَضيعُ