شعار قسم مدونات

الثورة ليست كاشفة ولا ساترة ولا رافعة ولا خافضة..

إن مصداقية القيم تكمن في  مشروعيتها وعدالتها لا فيمن يرفع اسمها ويحاول تمثلها، وهو ما يفضي إلى وجوب بقاء القيم محل احترام حتى وإن سقط أو انحرف رافع رايتها فالقيمة هي الأصل وليس النموذج أو المدعي وهو ما يؤدي إلى توسيع دائرة الولاء للقيم بحيث تكون القيم هي الجامع والضابط الأخلاقي ونسقط فكرة الولاء لحزب أو جماعة ما ونفكك فكرة الاصطفاف والولاء المتحزب لأي فصيل سواء أكان من السلطة أو المعارضة فيتم التصديق بالقيم بين كل الأطراف بغض النظر عن الجهة التي تنادي بها ويتم التلاقي وتقليص الخصومات المجتمعية بفعل -الإملاء السياسي- بحيث تكون القيمة هي التي تحكم وليس التشوه السياسي وننجح في إزالة دعاوى الأحكام التعميمية الاصطفافية سواء من جهة السلطة أو المعارضة وهنا نحرر أن الخلاف ليس لمكاسب سياسية متحيزة بل لكل الناس فالقيم هي الهدف وهي الغاية والوسيلة ويجدر أن أنبه إلى أن الجماعات أو الرايات تأخذ مصداقيتها من تلاحم معانيها مع هموم الوطن والإنسان وليس لمجرد ميلها للمعارضة أو النظام.

من أجل ذلك وغيره تأتى قيمة ربط المبدأ بالصدق والشرعية لا بالاشخاص والرايات السياسية الحزبية ولذات السبب نقول لا يمكن تنصيب راية ثورة ولا راية نظام ما في مقام الحكم على الناس ومكانتهم ومصائرهم. يذكر المؤرخ الأمريكي كران برينتون في كتابه "تشريح الثورة" (1938). أن للثورات دورة حياة تبدأ بما يشبه الحمى التي ترتفع بسبب شكاوى أفراد شعب ما ومن أعراض هذه الحمى الانهيار والانقلاب المتطرف تنهار هياكل السلطة الأمر الذي يؤدي إلى [انقلاب السلطة] ومن ثم إلى تولي [المتطرفين للسلطة] ثم الفوضى حيث يصبح واضحاً أن الناس لا يتحملون تلك الحمى ثم تحل سلطة أفضل محلّ هذا الاهتياج. ويتم استعادة الأمان والمعافاة والصحة والهدوء: والتحول إلى الاستقرار حيث تهدأ الأمور ويصبح الناس أسعد.

في ظل هذه الدورة المحرجة تنشأ إخفاقات قد تكون من باب التجربة والتعلم وقد تسهم في تكوين جيل مستقبلي أكثر وعياً وإدراكاً لكن الراهن وانكساراته يمهد في المدى القريب والمتوسط إلى:

– تشويش الرؤية العامة فيتشظى الإنسان في داخله بين تاريخه وحاضره.

– تطاول الكثيرين على مقدساتهم الوطنية والنفسية والمجتمعية والأسرية والسياسية والقومية.

في موضوع الحياد، من حق الإنسان أن يقف على الحياد ولا يتخذ موقفا. وفي السياسة من حقه أن لا يهتم بالسياسة بالمرة. هذا حق فردي لا يجوز انتهاكه. من حقك أنت أن تأخذ من المحايد موقفاً شخصياً وتقطع علاقتك معه

ومع أن الراهن وتجلياته ينبئ عن زلزال قادم وتغيير جارف سيجتاح المنطقة سياسياً واجتماعياً ودينياً وثقافياً حيث تأخر ذلك كله ليس لشرعيته بل لعنفه وظلاله المتخلفة والتي أفضت إلى الدم والفوضى ونكران المواطن لحقوقه بل لانقلابه على ثورته ذاتها وذلك لافتقاره إلى المنهجية ولعدم وعيه أن الزمن جزء من العلاج وأن المحدد الأوحد لقيمة وقدر الإنسان هو قيمه لا رايته فالمحدّدات التي يعوّل عليها من أجل تعبيد السبيل أمام الأجيال القادمة، والحيلولة دون إنتاج المزيد من الآفاق المسدودة تتمثل في التصديق بالقضايا الكبرى وآلية الدفاع عنها وهذا لا يعني أن تكون ثوريًا عنيفًا أو مسلحًا.

كي نقدر الثورة ونحلّلها ونوجهها، إلى القيم وأدواتها العلميّة والعملية المنضبطة والضابطة؛ لأنّ التعويل يكون على «قول الحق»، لا على «رغبة ثورة» و«رغبة سلطة» لابد أن نبين أن الثورة لا قيمة لها إذا لم تلتزم بالقيم. لا يصح اعتبارها مقياساً. مصداقية القيم التي تحكم الثورة وغير الثورة هي الضابط في الحكم. ومع أن الثورة كلمة غير محببة في القرآن الكريم ولا في الواقع والإسلام يقر بالإصلاح ولا يدعم أي ثورة لأنها عمل فوضوي خرابه أكبر من عماره إلا أن الثورة لم تكن نتاجاً لسياسات دولية ولا تدخلات إقليمية بل كانت حصيلة مجموعة من الانفجارات الداخلية الناتجة عن تراكمات ثقيلة من الاستبداد السياسي والتمييز الاجتماعي والتجهيل المعرفي وسوء الأوضاع الاقتصادية. ومع أني أدعم إسقاط الأنظمة الفاسدة لكني لا أومن بأن سبيل ذلك الثورات.

بل الواقع يشهد أن الثورات باتت مطية لكل الطواغيت في الشرق والغرب وأن الثورات نجحت في تكريس الفوضى. صحيح أن ما أصاب البلاد التي ثارت يخوفون بها الناس ليس سببه الثورة فقط بل تشترك الأنظمة التي أصرت على البقاء، ولو كان الثمن تمزيق الوحدة الوطنية وسفك دماء عشرات الألاف من البشر لكن كان السبب المباشر هو ثورة. بل وتصفية ما تبقى من خير في الشعوب فليس  من الضروري أن يكون التغيير الذي يحصل إيجابياً، كما أن ما بعد انتصار الثورة ليس أفضل مما كان قبلها بالضرورة، فقد يكون العكس هو الصحيح. المفكرون والناس يختلفون مثلاً في الحكم على ما كان قبل الثورات في روسيا القيصرية وإيران، وكوبا، وما بعدها.

وليس في معنى مفهوم الثورة ما يشترط انتصارها، فقد تفشل مباشرة، وقد تستمر سنوات وتفشل، وقد تنتصر لعدة شهور، أو سنوات، ثم تسقط بعدها، كما حصل للثورة الفرنسية (1789)، وثورة محمد مصدق في إيران (1951 – 1953). ولذلك يمكننا القول: ليس كل من لم يكن ثورياً كان سلطوياً فالتناقض كمايقول المفكر محمد شاويش يكون  بين الأشخاص عندما تتناقض ثوابتهم التي ينطلقون منها (وتتجسد في السياسة على شكل "استراتيجيات") ولكن التناقض عند العقلاء لا يجب أن ينشأ عند اختلاف المنظورات إلى وسائل تحقيق الثوابت (وهو ما يتجسد في السياسة على شكل "تكتيكات")! تتفقان في المبادئ ثم تختلفان في تصور الوسائل ثم تعده عدوك الوجودي!. هذا هو الخبل العربي!

في موضوع الحياد، من حق الإنسان أن يقف على الحياد ولا يتخذ موقفا. وفي السياسة من حقه أن لا يهتم بالسياسة بالمرة. هذا حق فردي لا يجوز انتهاكه. من حقك أنت أن تأخذ من المحايد موقفاً شخصياً وتقطع علاقتك معه مثلا لكن ليس من حقك أن تزعم أن الحياد غير مسموح به و"إما ان تكون معنا أو ضدنا"! الحق في الحياد واحد من حقوق الإنسان! الثورات لا تخفض ولا ترفع ولا يشترط أن ارفع راية ثورة حتى يحكم الآخرون علي بالشرف أو غير ذلك وكم تحمل الثورات من عاهات. مقولة الثورة ترفع وتخفض خاطئة الأولى أن نجعل القيم تحكم على الثورات والقامات وليس العكس.. من كان متآمراً انتهازياً وهو يرفع راية الحراك الثوري هل قدره مرفوع عند الله وإن دلس على الناس القيمة لأي موقف بقيمه لا بشعاراته وراياته.

مع أن الثورات تكون ضد السلطات القائمة، إلا أن العنف ليس صفة ملازمة للثورة ولا يشترط حتى تكون ثورياً أن تكون مسلحاً أو طائفياً. إنني مع الإصلاح المتدرج ومع المقاومة المدنية أيضاً (نروي الكثير من القصص التاريخية التي نتناقلها تدور حول العنف"، في حين أننا نتجاهل النجاح الذي حققته الاحتجاجات السلمية) والمختلفة عن معنى الثورة المسلحة التي يتم الإملاء عليها والتي تتحول إلى بنادق مأمورة وبيادق مأجورة وكذلك عن معنى التزلف للمول والذي يعني الانبطاح والاحتواء ومعاداة مطالب الناس.

وهنا نذكر بالمبادئ الآتية: فرص نجاح الحراك الشعبي السلمي أعلى من فرص نجاح الاحتجاج غير السلمي في تحقيق أهدافه بمقدار الضعف وأن العصيان المدني ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل ثبت أيضاً أنه أكثر قوة وفعالية بمراحل من جميع أشكال الاحتجاج الأخرى في تشكيل المشهد السياسي العالمي إن مشاركة 3.5 في المئة من السكان مشاركة فعالة في الاحتجاجات تضمن حصول تغيير سياسي حقيقي. "مرهون بمدى سلمية الاحتجاجات والعوامل التي تقود إلى نجاح الحراك أو فشله، انسجام المحتجين وتوحدهم كما حصل (في عام 1986، حيث خرجت  الملايين في العاصمة الفلبينية مانيلا في مسيرات سلمية في الثورة التي حملت اسم "قوة الشعب"، ولم تمر أربعة أيام حتى سقط نظام ماركوس. وفي عام 2003، أجبر سكان جورجيا الرئيس إدوارد شيفرنادزة على الاستقالة، عقب ثورة الورود التي اقتحم فيها المحتجون البرلمان حاملين في أيديهم زهورا دون إراقة قطرة دم واحدة.

وكذلك أعلن كل من زين العابدين ومبارك والبشير وبوتفليقة التنحي عن السلطة بعد أن ممسكين بزمامها لعقود، تحت ضغط الحراك الشعبي السلمي. بالرغم من ارتفاع فرص نجاح الثورات السلمية، إلا أن 47 في المئة منها أخفقت في تحقيق أهدافها، (بعض المسيرات السلمية لم تلق صدى بين الناس للوقوف في وجه الطغيان). كما أن بعض المسيرات السلمية الكبرى أيضاً لم تحقق أهدافها، مثل الاحتجاجات ضد الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية في الخمسينيات من القرن الماضي التي استقطبت إثنين في المئة من عدد السكان. لا شك أن هناك عوامل أخلاقية ومجتمعية وراء انتهاج الأساليب السلمية، وأن التوريط بالسلاح باسم الثورة يعني إجهاض الثورة وهو عمل تجيده السلطات المحلية الداخلية وتستثمره الإرادات الدولية الخارجية.