ألم تر إلى ربك كيف مد الظل؟

لطالما استوقفني هذا الاستفهام في القرآن الكريم.. ومع أن ظاهرة الظل تدخل ضمن علم البصريات التقليدية (في مقابل البصريات الكَمّية التي يصدف أني أعمل باحثا فيها) إلا أن ما نحتاج إلى معرفته منها في هذا المقام لا يتعدى الأساسيات. وقد حفزني إلى كتابة هذه الكلمات حوار شيق مع صديق، والغرض منها لا يعدو إلقاء مزيد من الضوء – بما أثبته العلم التجريبي من حقائق – على ما ذكره بعض المفسرين قديما وحديثا في آيتي الظل من سورة الفرقان: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)}.

    

بداية، نختار ما شاع بين أهل التفسير، لا سيما المتقدمين منهم، من أن المقصود هنا هو الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ثم لنستحضر ما بات معلوما اليوم من أن الليل ما هو إلا ظل الأرض؛ حيث أنه تحُول بيننا وبين الشمس ليلا الكرة الأرضية ذاتها فنقع في ظلها.. لكن أي ميزة للوقت الذي يسبق طلوع الشمس؟ ميزة هذا الوقت، الذي هو أحد طرفي الليل، أنك تستطيع أن ترى فيه بعينك المجردة ظل الكرة الأرضية ممدودا على الأفق الغربي – إذا صَفَت السماء من الغيوم ولم تحجبك مبان أو أشجار أو جبال – كما في الصورة المبهرة أعلاه لظل الأرض، والتي تم التقاطها من مرصدESO  في صحراء أتاكاما قرب شاطئ المحيط الهادي في تشيلي قبيل الشروق! ونرى ظل الأرض فيها مقوسا، كما نتوقع، لأن الأرض كروية.. ويمتد ظل الكرة الأرضية إلى أكثر من مليون كيلومتر في عمق الفضاء – ولا نشعر به إلا عندما يقع على القمر فيحدث الخسوف.

  

قوله سبحانه {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} يتناول تلاشي الظل الممدود على الأفق، بطلوع الشمس، تلاشيا متدرجا

وماذا عن قوله {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا}؟ يكون ذلك، كما أشار الإمام الطاهر بن عاشور (تونس 1879-1973) في تفسيره ”التحرير والتنوير“، إذا وَجّهَت الأرض (وهي تدور) نفس الوجه دوما تجاه الشمس، وهو ما يسميه علماء الفلك tidal locking، فيكون عندها نصف الأرض في نهار دائم والنصف الآخر في ليل دائم. (وإذا وجدت هذا غريبا فتذكّر أننا في الأرض نرى نفس الوجه دوما للقمر لأن دورانه حول نفسه يستغرق ذات الوقت الذي يدور فيه حول الأرض!) فقوله {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} يشبه إذن قوله في سورة القصص {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)} وقوله في الآية التي تليها {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)}.

     

أما قوله {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} فيُفهم بالنظر إلى {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} أول الآية، إذ أن {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} جاءت معترضة. والمعنى عند ابن عاشور هو أن الشمس بمثابة المرشد الهادي. غير أن ”عليه“ تلفتنا في ذات الوقت إلى معنى بديع، له أصله، هو أن الظل المذكور في الآية هو ظل الأرض كلها، أي الليل.. ويدلنا على أنه ظلٌ طلوعُ الشمس (وغروبها) حيث يمكننا رؤيته قُبيل الشروق (وبُعيد الغروب) ظلا ممدودا فوق الأفق المقابل.

    

وأخيرا فقوله سبحانه {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} يتناول تلاشي الظل الممدود على الأفق، بطلوع الشمس، تلاشيا متدرجا. وقد ربط ابن عاشور هذا التدرج في ذهاب الظُلمة، ربطا بلاغيا، بنزول القرآن الكريم تدريجيا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما سبق ذكره في ذات السورة، حتى تلاشت شيئا فشيئا ظلمات الغفلة من الأرض بنوره.. ويا له من ربط، ويا لها من بلاغة، والحمد لله رب العالمين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة