الجدال العقيم.. لماذا نحبس أنفسنا في قفص الاتهام؟

بكامل الثقة أعتقد أنّ أحدًا منا -أي الذين يعيشون في العالم العربي- من المستحيل أنه لم يعش تجربة الجدال مع أحد أقاربه، أو أصدقائه، أو أعدائه، أو جميهم معًا ربما، حتى وإن بدأنا النقاش بنية الإبقاء عليه نقاشا مثمرا نخرج منه بنتيجة، فإنه لا مفر من خروج الأمور عن السيطرة في نقطة ما، والدخول في نفق التشبث الأعمى بالأفكار، والتصيّد الخبيث لما يقال لإخراج الكلام من سياقه، وإدخاله في متاهات لا غاية منها إلا الانتصار في المعركة.

لطالما حاولت وما زلت أحاول تفكيك هذه الحالة الجدلية التي تحكمنا في النقاشات على اختلاف موضوعاتها، سواء كانت موضوعات سياسية، أم اقتصادية، أم بيئية، أم اجتماعية، أم فنية، أو حتى مجرد نقاش عائلي يومي بسيط، خصوصًا تلك النقاشات التي قامت في أصلها على نية الحوار البناء، وفي لحظة وجدت نفسها تُعجن على طاولة الجدل.

تكمن أهمية النقاشات في الأسئلة التي تخرج بها، وليس بالإجابات، ولكن هذا السلوك يتعرض لتشويه كبير إن كان أحد أطراف النقاش واضعا نفسه موضع المتهم

بالطبع هناك الكثير من العوامل التي تساهم في تعزيز الجدل، وتثبيط الحوار، ولكنني تنّبهت مؤخرًا لأحد هذه العوامل، التي أعتقد أنه أحد أكثر العوامل أهمية، وهو توجه كل أو أحد الأطراف المتجادلة إلى توحيد الفكرة التي يجادل بها، أو الرأي الذي يدلي به مع ذاته، إذ يكون في إثبات فكرته، أو رأيه انتصارا شخصيا له، وتبرئة له من الجهل، فينطلق الشخص من منطق يجعل من الفكرة، وصاحبها كيانًا واحدًا وجب الدفاع عنه بشتى الطرق، والأساليب، وممنوع فيه مساءلة الذات، ففي هكذا تصرّف اعتراف صريح، وإقرار واضح بالتهمة الآنفة الذكر، مع أن الشخص ذاته قد يصل إلى مرحلة يهتز فيها اقتناعه برأيه، أو بفكرته -ولا ضرر في ذلك-.

ولكن يصعب عليه الإقرار بهذا علنًا، وربما سرًّا لأنه لم يُحيّد الفكرة، أو الرأي عن ذاته، إذ أنه في تلك اللحظة واقف على مقربة من قفص الاتهام بالجهل، ويخيل له أن صاحب الرأي الآخر في هذا النقاش لا ينتظر منه سوى إشارة صغيرة تدل على شككه برأيه، أو بفكرته حتى يزج به إلى داخل القفص بدون رجعة، نعم إلى هذه الدرجة يكون الشخص ذاتيّا في جداله، حتى أنني أشك أحيانًا فيما إذا كان الشخص ما زال آبها بالفكرة التي طرحها، وما تقدمه لإثراء النقاش بالقدر الذي يأبه به إلى حفظ ماء وجهه كونه صاحب هذه الفكرة، أو هذا الرأي، ولهذه الذاتية يكون الأثر المباشر في تشويه منطق النقاش، وبالتالي سلوكيات المتناقشين.

فطرح الأسئلة على سبيل المثال يعد سلوكا طبيعيا، وأساسيا في النقاش القيّم، والحوار البناء، حتى أنه برأيي السلوك الأهم الذي تقوم عليه فلسفة النقاش، فمن المفترض أن دخولنا في النقاش مع شخص آخر، أو أشخاص آخرين يكون بغية البحث عن إجابات حول كل ما هو غير محسوم، حول كل ما يحتمل أكثر من تأويل، حول كل ما يحمل أكثر من معنى، وليس في طرح الأسئلة دائما مطالبة بالإجابة من الطرف الآخر، فقد يكون السؤال موجها للجميع بمن فيهم طارحه، فأحيانًا تكمن أهمية النقاشات في الأسئلة التي تخرج بها، وليس بالإجابات، ولكن هذا السلوك يتعرض لتشويه كبير إن كان أحد أطراف النقاش واضعا نفسه موضع المتهم، فلا يرى في هذا السلوك إلا استجوابا يواجهه بالتعنت الشديد، أو بالسخرية، أو باتهام السائل بأنه شخص هجومي في نقاشه، وهذه السلوكيات الثلاثة فيها دلالة واضحة على ما يشعر به الشخص من حاجة للدفاع عن نفسه قبل أن يدافع عن فكرته أو رأيه.

لذلك أعتقد أنه لابد لنا من أن نحيّد آرائنا وأفكارنا عن ذواتنا، وأن نفتح الباب أمامنا لمساءلة أنفسنا، لابد لنا من أن نذكّر أنفسنا أننا في حالة بحث دائم عن الأسئلة، والإجابات، ليس في النقاش أقفاص، ولا تهم، على العكس تمامًا من المفترض أن يحملنا النقاش دائما إلى فسحة سماوية جديدة في كل مرة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة