فندق "باليما" بالرباط.. من هنا مرَّ تشي غيفارا

في وسط شارع محمد الخامس بالعاصمة المغربية الرباط الذي كان يسمى شارع "دار المخزن" خلال الاستعمار الفرنسي وأمام مبنى البرلمان، ينتصب فندق "باليما" بمقهاهُ العريقة وساحته الواسعة، تجاوزت شهرته الحدود المغربية بفعل تاريخه والأحداث المتعددة التي عايشها إبان الوجود الفرنسي بالمغرب وما تلته من احداث بعد استقلال المغرب، ونظراً لأهمية ومكانة الشخصيات التي زارت الفندق او الجلسات التي كانت تحتضنها مقهاهُ.

   

أسس الفندق ثلاثة أصدقاء فرنسيين خلال ثلاثينات القرن الماضي بعدما قدم لهم المقيم العام الفرنسي " الماريشال ليوطي" قطعة ارضية ليبنوا عليها مشروعهم، كان الشارع حديث العهد ويقطنه فرنسيون كثر، بل لا يكاد يوجد مغربي واحد سوى عملاء الاستعمار والتابعين له، وعملت السلطات الفرنسية على ان يكون الشارع عصريا يجمع مؤسسات إدارية متعددة، محكمة، مركز البريد والتلغراف، محطة القطار، البنك المركزي وفنادق من بينها فندق "باليما" في وسط الشارع.

 

تشي غيفارا من محطة القطار إلى الاعتقال

نزل أرنستو تشي غيفارا ابن روزاريو وبطل حرب العصابات في غشت ١٩٥٩بمعية أربعة من أصدقائه الكوبيين فارعي الطول، نزلوا بمحطة القطار الرباط المدينةِ بلحاهم الكثة وملابسهم الأنيقة ينفثون دخان سيجارهم الكوبي الفاخر، ينتشون بأجواء الرباط الدافئة في انتظار من يرحب بهم وينقلهم نحو إقامتهم، لكن الترحيب كان بطريقة غير متوقعة، فوجئوا بعناصر من الشرطة المغربية تعتقلهم وتقتادهم نحو فندق "باليما" الذي سار سجنًا لمدة يومين ل تشي ورفاقه.

 

كان تشي غيفارا قد جاء إلى المغرب بدعوة من الوزير الأول المغربي آنذاك "عبد الله إبراهيم " الذي التقاه ذات صيف بالقاهرة خلال لقاء ثلاثي جمع بين بطل حرب الريف "عبد الكريم الخطابي" و "ارنستو تشي غيفارا" والوزير الأول المغربي بسفارة المغرب بالقاهرة، ودعاه بعد اللقاء لزيارة المغرب، وهذا ما كان، استشاط عبد الله إبراهيم غضباً بعد علمه باعتقال ضيف المغرب او بالأحرى ضيفه هو، اتصل بمدير الأمن الوطني (الشرطة) محمد الغزاوي ليستفسر عن سبب الاعتقال فأجابه الأخير بوضوح :"انا أنفذ تعليمات ولي العهد" ( الحسن الثاني آنذاك ).

  

   

كان ولي العهد الحسن الثاني يخوض صراعاً مريرا مع حكومة عبد الله إبراهيم، وكانت فرصة قدوم تشي غيفارا سانحة ليبين للحكومة والوزير الأول ان السياسة الخارجية من اختصاصات القصروحده ولا تطاوُلَ عليها، كما جاء في مذكرات عبد الله إبراهيم أنه استطاع الإفراج عن تشي غيفارا ورفاقه بعد يومين من الاعتقال في فندق باليما لينتقلوا بعد ذلك إلى احدى إقامات الدولة بالرباط.

 

بعد ذلك وقع الطرفان اتفاقية تقضي باستيراد المغرب للسكر الكوبي مقابل توريد الفوسفاط المغربي لكوبا، هذه الاتفاقية ستلغى فيما بعد نتيجة للضغوط الأمريكية على المغرب، بعد واقعة احتجاز تشي غيفارا ورفاقه بفندق باليما ثم تعويضهم عن هذا الاستقبال المُتعِب بقضاء نزهة بمدينة مراكش، أراد لها تشي غيفارا ان تكون طويلة(١٨يوماً)، بعد اعجابه بالمدينة الحمراء .

 

اكتسب الفندق بعد ذلك شهرة واسعة وأصبح ملاذا لزوار الرباط من الشخصيات الكبيرة والمثقفين والفنانين، وصار معها المقهى أسفل الفندق الممتد على رصيف شاسع تحت ظلال أشجار وارفة أشهر مكان بالرباط.

 

مقهى باليما ملاذٌ للمخبرِين والمُتْعَبين

يجذب الرصيف الكبير للمقهى وسط زقاقين زوار شارع محمد الخامس من الذين تعبوا من ملاحقة أوراقهم الإدارية طيلة اليوم او المحتجين أمام مبنى البرلمان الهاربين من بطش القوات العمومية، يستضلون تحت الشجر الأخضر الذي يزين المكان يسترجعون انفاسهم من الصراخ ثم يعودون إلى الاحتجاج كما ينتاب الفضول المارين أمام المقهى لاكتشاف روعة المكان واحتساء كوب قهوة ساخن.

 

كانت المقهى أيضا ملاذا ثميناً للمخبرين خلال سنوات الرصاص (عهد الحسن الثاني)، حيث كانوا يتجسسون على كل من يجلس في المقهى ومن ينزل في الفندق كانت عيونهم لا تنام، يحكي أحدهم أن البرلمانيين كانوا يكملون النقاش داخل المقهى وكان المناضلون ينسقون برامجهم ومخططاتهم وكم واحد منهم اعتقِلَ وهو يرتشف قهوته دون أن يدري أن مخبراً جلس وراءهم وسمع كل شيء.

   

(جيفارا في مراكش)

  

من يجلس ب باليما كأنه يجلس فوق تَلٍّ عالٍ يراقب الرباط ومؤسساتها الكثيرة، يعرف ما يدور في العاصمة من احداث بل سيلخص الأحداث التي تدور بالمغرب لأن ساحة فندق باليما هي المنطلق لجميع الوقفات.

 

فندق باليما ساحة الاحتجاج وملتقى الجميع

انطلت من ساحة الفندق في السنوات الأخيرة الكثير من الاحتجاجات لعل أبرزها واقعة "العفو عن الإسباني دانيال مغتصب الأطفال" تجمهر القليل من الناس بعد الإفطار أمام مقهى باليما للتعبئة، لتنطلق فيما بعد مسيرة كبيرة جابت شوارع الرباط للتنديد بالعفو، كما أن حركة 20 فبراير (الربيع العربي ٢٠١١) كانت تستغل ساحة الفندق لحشد المتعاطفين للانطلاق في مسيرات طويلة أربكت السلطات، كما انها تعرف وقفات يومية للمطالبة بشيء ما مفقود في هذا البلد.

 

تجمع مقهى باليما وطناً مصغّراً من أبناءه بشتى أطيافهم السياسية وعقائدهم الفكرية، يستسلم المثقف لبرودة الطقس وشحنة المكان التاريخية للإبداع، ويلتهم العاطل جرائد كثيرة على رصيف المقهى في انتظار أملٍ طال أمده، يتلصص المخبر العيون المريبة لاصطياد فريسته كي ينال رضى رئيسه ويحصل على إجازة، يحمل الطالب كراسته المليئة بالنظريات عله يحظى بلحظة سلام في باليما، يغوي فندق باليما الجميع بمقهاهُ وتاريخهِ المتميز، وكأنه يراقب مبنى البرلمان من ثخمة القوانين والتشريعات.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة