التوظيف السلبي للتقنية.. كيف غيّرت التقانة معالم حياتنا اليومية؟

قبل أن أباشر الحديث عن هذا المشكل المستعصي الّذي أحدث رجّة كبيرة في الشهور المُنصرمة، واحتدم الجدال حوله بين جميع الشرائح الاجتماعية، لابدّ أنّ أوضح المغزى من استعمال لفظة التّقانة بدل التقنية. تقني هي صفة ترتبط بالإنسان، في حين أنّ التّقانة هي الانخراطُ والتبنّي الكلّي للتقنية بجميع أصنافها. لذلك عندما نتحدث عن التقانة وتوظيفها السلبي، فالمقصود بذلك، غزوها وتغيير معالم حياتنا اليومية، وتفاعلنا اللاشعوري معها.

لقد أدّى التطور التكنولوجي إلى حياةٍ لم يعد فيها للزمن قيمة، الزمنُ أصبح ملتوياً، يصعبُ السباق معه. صارت المعلومات مطروحةً في الشبكة العنكبية (العنكبوتية) ويُمكنُ الوصول إليها في أقل من نصف دقيقة، التلفاز مركون في ركنٍ قصيّ لا أحد يلتفت جهته إلّا في الأوقات التي تستوجب تشغيلهُ، لا سيّما في شهر رمضان المُعظّم، والمذياع طعمه انتفى، وصار عبارةً عن صندوقٍ تخرجُ من أصوات لا تناقشُ قضايا اليوم، بل تكتفِ بمناقشة الأمور التي نحن في غنًى عنها.

هناك تضاد وتجافٍ حاد بين الافتراضي والواقع، لكن رغم التنابذ الحاصل بينهما كرّسنا الافتراضي كمرادف لما نعيشه. الكذبُ والأقنعة المخاتلة للتاريخ هي العنوان الرّئيسي للافتراضي، هذه الأقنعة الّتي عادة ما تتساقط كتساقط أوراق الأشجار في كلّ خريف كلّما اقتضى الحال ذلك، الزيف والغموض يشوبُه، اختلطت فيه الأمور، بوجوه أنثوية تارةً خلفها لحية كثّة، وشعر أشعث، وتارةً أخرى وجوهٌ ذكورية يتخفّى وراءها وجهٌ أملس كمنديل أعراس، وشعر مرسل أسود اللون، وأنفٌ دقيق، وعينان عسليتان. الافتراضي يصعبُ فيه التمييز، إنْ لم أجزم قائلاً بأنّه ضربٌ من المستحيل.

العالم العربي عبارة عن كتل ديمغرافية كبيرة، وما زاد الطين بلّة هو الغزو التكنولوجي الذي اجتاحهُ خلال السنوات الأخيرة، مما أدّى إلى انطلاق الشرارة الأولى للمشاكل الاجتماعية، وتوالت الانهيارات الاقتصادية

تُكتبُ كل يوم عدّة مقالات تتناولُ قضيّة ما، ففي المغرب، وبسبب هذه الصورة الباهتة التي آلَ إليها الافتراضي، نتصادف كل يومٍ مع قضية جديدة، قضية تشغل بال الرأي العام، هذه المقالات تكتب بمصطلحات ومفاهيم مُترهلة، كان بإمكان كاتبها تفاديها قدر الإمكان، بيد أنّ الكتابة الرصينة، في نظر البعض، صارت مقترنة بمثل هذا النّوع من المفاهيم. تسليط الضوء على قضايا لا تستحقُّ أدنى اهتمام، والكتابة عنها، وإبداء الرأي فيها، هو أمر يجبُ تلافيه، لكن هذا غير ممكن، لأنّ من يدّعون أنفسهم مثقفين يكتبون عن أي شيء، لأنهم نخبويين ومثقفين، ينظرون إلى الجميع من ذلك البُرج العاجي.

لا مسوِّغ للشاب المغربي وهو يلهثُ وراء موجة التفاهة، التي صارت موجةً كاسحة يصعبُ مواجهتها. فيديوهات هنا وهناك، صورٌ مُخلّة بالحياء، كلماتٌ فجّة وبذيئة تُصادفها وأنت تتصفح مواقع السوشيل ميديا، استهتارٌ بقضايا ذات قيمة، واستهزاءٌ وتهكّم على أشخاص لا حول لهم ولا قوّة، وترويجٌ لأخبارٍ كاذبة ومُزيفة، وتناقل الفضائح بسرعة كبيرة كسرعة النّار في نشارة الخشب. هذا حقاً مؤسف ويحزنُ القلب. لا أُطيقُ ما يتمُّ ترويجه في الافتراضي. هل الفرد المغربي صار يقبل أيّ شيء يتصادف معه؟ هل سمح له ضميره بترويج ذلك في زمنٍ طغى فيه الانحلال الأخلاقي، وأصبح التحرّر لصيقاً بالانخراط في انحطاطٍ أخلاقي لم يسلم من بطشه لا الصغير ولا الكبير. أُفضِّلُ أن أكون تقلدانياً وتراثوياً، وألّا أنقاد لهذا التشرذم الأخلاقي الّذي يدمي القلب.

لا يزال الشاب المغربي يمضي في غيّه، يموجُ بظلمه، يتمادى بافتراءاته الخاطئة. إلى متى سنظلُّ على هذه الحالة؟ في وقتٍ وظّفت فيه الشّعوب الأخرى التقانة بشكلٍ أفضل، فحققت معجزات كبرى في ظرفٍ قياسي، في حين نحن بقينا نترقّب تطورهم الرهيب في صمتٍ وذهول. الغرب أبدع، وأنتج، وفكّر، فاستطاع ترويض التاريخ نحو مركزويّةٍ أوروبية لا مجال للنّقاش فيها، مركزوية نالوا عليها وافر التنويه والثناء في غالب الأحيان، ووقفوا على منصات التتويج العالمية التي تكرّس نفسها في خدمة الفكر والإبداع. منصّة التتويج لا تقبلُ فوق ظهرها إلّا المثابر.

العالم العربي عبارة عن كتل ديمغرافية كبيرة، وما زاد الطين بلّة هو الغزو التكنولوجي الذي اجتاحهُ خلال السنوات الأخيرة، مما أدّى إلى انطلاق الشرارة الأولى للمشاكل الاجتماعية، وتوالت الانهيارات الاقتصادية، وبدأت قيّم الشعوب العربية تتهاوى شيئاً فشيئاً. كل هذا سيفضي، دون أدنى شكٍّ، إلى اندثار الأخلاق، التي أضحت تئنُّ في الفضاء الأزرق من شدّة الترويج لركاكة ستؤدّي بالفرد العربي إلى اضمحلال قيّمه لا محالة. الشعوب تضعُ ورود الانتصار على رؤوسها بأخلاقها.

التوظيف السلبي للتّقانة أمر مخيف، كيف لا وأمم أخرى تُسخِّرُ التقانة للنّهوض بمجتمعها، وتقدمه، من أجل ضمان مستقبلٍ مزدهر، ونحن استهلكنا سلبياتها فقط، فقلّما غصنا في إيجابياتها الوفيرة التي لا تنقضي عدّا. لا أتكلّم من فراغ، فالطوندونس المغربي خير مثال، اجتاحتهُ في الآونة الأخيرة يوميات لشابات تفتقرن لثقافة الإبداع، وأنهنّ لم يوظفن قنواتهن من أجل إيصال رسائل تهمُّ محيطهنّ، بل اقتصرن على سرد ما يعشنه كل يوم كسائر الناس، بموسيقى صاخبة أحيانا وفي حينة أخرى رنّانة، بكلمات عادية، وبمشاهد نصادفها كل يوم. ما فحوى الرسالة التي يردن تبليغها للمجتمع؟ الأفظعُ من ذلك، هو عدد المشاهدات الكبيرة التي تَفُوقُ مليون مشاهد في اليوم. هل انخرطنا في عمق ترسيخ فكرة التفاهة إلى هذه الدرجة؟ لما جعلنا من أناسٍ عاديين مشاهير؟ ولما تمّ إقصاء المثقفين والمبدعين؟

صراحة، ودون مواربة، لقد رسّخت التفاهة نفسها عبر شباب لم يحسنوا التعامل مع الميديا. فما السبيل لتجاوزها؟ التجاوز يجب أن يكون تجاوزا راديكالياً، وأن نتغاضى عن كل ما يروج ولا يحمل رسالة ولا يوصل قضية ما، أو أن نساهم في ترويج محتوى لا طائل منه، ولا استفادة من ورائه، بل وأنْ يَنصبّ اهتمامنا على كل ما يخدمُ الثقافة باعتبارها الدعامة الأساسية الّتي تبقى.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة