الأسلحة البيولوجية.. قنابل الفقراء!

بينما يدرس فريق من العلماء مسببات الأمراض، ليحددوا نقاط ضعفها حتى يتمكن الصيادلة -صُناع الدواء- من ابتكار العقار المناسب للقضاء على هذه الأمراض وقتل مسبباتها، كان فريق آخر من العلماء يقوم بالعمل ذاته، ولكن ليحددوا نقاط القوة، والانتشار لهذه المسببات، حتى يتمكن الساسة، والحكام من استخدامها كأسلحة بيولوجية فتاكة، وليس غريبًا، فإنها سنة الله في أرضه، والطبيعة الكونية التي جُبل عليها من في الأرض جميعًا، فالجسد رغم كونه وحدة واحدة إلا أن فيه النافع البنَّاء والضار الهدَّام، ولكن ما قصة الحرب البيولوجية؟ أهي سلاح ذو حدين، تستقر رصاصته في رأس الذي ضغط الزناد؟ أم أنها وسيلة الدفاع الفتاكة التي يمكن أن تتسلح بها الدول الفقيرة في مواجهة المتقدمة، الغنية؟

الحرب البيولوجية هي العمل على نشر مسببات الأمراض الفتاكة بين البشر والحيوانات والنباتات عمدًا، وتظهر الأسلحة البيولوجية (BW) كبكتيريا أو فيروس، متسلل، سريع الانتشار، حاد التأثير، بالغ الضرر، في بيئة مناسبة، غير قادرة على صد هذا الهجوم، بل وأحيانًا لا تشعر به، إلا بعدما يغزو الجسم كله، ويفرض سلطته، وهنا تكمن خطورة هذه الأسلحة وقوتها؛ إذ هي خفية غير شاخصة، خفيفة يمكن لزجاحة صغيرة أن تحتويها، لكنها فتاكة، لا تعرف التوقف، ومتى تهيأت لها الفرصة، كانت لها الغلبة والسطوة، وهناك مجموعة كبيرة من البكتيريا والفيروسات المعدلة وراثيًا لمقاومة المضادات الحيوية، والتي يمكن استخدامها كأسلحة بيولوجية أيضًا.

لماذا هي واسعة الانتشار؟
تبقى الأسلحة البيولوجية فكرة في مرمى المناقشة، ورغم ما لها من أضرار بالغة، وتكلفة باهظة لا شك سيشارك في دفع ثمنها سكان الكوكب مجتمعين، إلا أنها قد تكون نقطة اتزان وعدل في المفاوضات بين القوى المالكة لأدوات الانتصار العسكري المسبق

مقارنة بتكلفة برنامج الأسلحة النووية، فإن الأسلحة البيولوجية رخيصة جدًّا، لا تتطلب إلا معملًا مجهزًا وفريق متخصص، وتشير التقديرات إلى أن الجرام الواحد من السم قد يقتل ما يزيد عن أربعة أضعاف مليوني إنسان، وكذلك الأسلحة الكيميائية، فإن سم البوتولينوم أشد فتكًا من غاز السارين القاتل؛ إذ يمكن لصاروخ SCUD محمل بسم البوتولينوم أن يؤثر على مساحة تبلغ 3700 كيلومتر مربع، وهي مساحة أكبر بـ16 مرة من السارين، ولكن رغم أن إنتاج الأسلحة البيولوجية بكميات كبيرة أمرٌ رخيص نسبيًا، إلا أن تطوير الأسلحة وتشغيلها أكثر صعوبة قليلًا، فعلى سبيل المثال، عندما يُطلق صاروخٌ، يُصبح الجو حارًا جدًا، ويُقتل الكثير من العناصر البيولوجية لذلك يجب تزويد الصاروخ بنظام تبريدٍ كامل.

بالإضافة إلى ذلك، يتطلب تخزين عناصر الأسلحة البيولوجية الجهد الثقيل، ولكن فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، فإن الأسلحة البيولوجية رخيصة نسبيًا في تطويرها وإنتاجها مقارنة بغيرها وفي أحد التحليلات، تبلغ التكلفة 2000 دولار لكل كيلومتر مربع مع الأسلحة التقليدية، و800 دولار مع الأسلحة النووية، و600 دولار مع أسلحة الغازات العصبية، ودولارًا واحدًا مع الأسلحة البيولوجية، من هنا أصبحت الأسلحة البيولوجية معروفة بأنها "قنبلة الرجل الفقير".

تاريخها

يعود الاستخدام الأول قديمًا إلى الفترة التي عاصرها المغول، لكن التاريخ الحديث يبدأ من حيث عام 1763؛ إذ حاول الجيش البريطاني استخدام الجدري كسلاح ضد الأمريكيين الأصليين في حصار فورت بيت، وفي محاولة لنشر المرض إلى السكان المحليين، قدم البريطانيون أغطية من مستشفى الجدري كهدايا، ورغم أننا نعرف الآن أن ذلك سيكون وسيلة غير فعالة نسبيًا لنقل الجدري، إلا أن النية كانت موجودة، وخلال الحرب العالمية الثانية، نظر العديد من الأطراف المعنية في الحرب البيولوجية باهتمام كبير للأمر، وقد قام الحلفاء ببناء منشآت قادرة على إنتاج جراثيم الجمرة الخبيثة، داء البروسيلات، ولحسن الحظ، انتهت الحرب قبل استخدامها، وقد استفاد اليابانيون بشكل كبير من الأسلحة البيولوجية خلال الحرب العالمية الثانية -متبعين نهج الهجمات العشوائية المرعبة- فقد أسقط سلاح الجو التابع للجيش الياباني قنابل مليئة بالبراغيث التي تحمل الطاعون في نينغبو بالصين.

أشهر أنواعها

الجمرة الخبيثة (Anthrax)
تعد بكتيريا Bacillus anthracis، التي تسبب الجمرة الخبيثة، واحدة من أكثر العوامل المميتة التي تستخدم كسلاح بيولوجي، وقد صُنِفت من قبل المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) كعامل من الفئة أ، وتوجد هذه الجراثيم بشكل طبيعي في التربة، ويمكن إنتاجها في المختبر، وتستمر لفترة طويلة في البيئة، وقد استخدمت الجمرة الخبيثة كسلاح حيوي منذ حوالي قرن من الزمان مخلوطة بالبودر "المسحوق" والبخاخات والطعام والماء، الأمر الذي يجعلها سلاحًا حيويًا مرنًا، وفتاكًا أنها بلا رائحة أو طعم، ما يجعل من الصعب اكتشافها، وقد استُهدفت الولايات المتحدة بالرسائل التي تحتوي على جراثيم الجمرة الخبيثة عبر نظام البريد الأمريكي في عام 2001 وقد أصيب 25 شخصًا مات خمسة منهم.

سم البوتولينوم
من السهل نسبيًا إنتاج البوتولينوم رغم ما له من قوة فتاكة شديدة، ويمكن توزيعه عن طريق الغلاف الجوي أو عن طريق المياه والمواد الغذائية، وحتى تتخيل قدرته العظيمة؛ يمكن أن يقتل جرام من توكسين البوتولينوم أكثر من مليون شخص إذا تم استنشاقه؛ إذ يفتك بالجسد البشري، مسببًا تسمم يشل العضلات اعتمادًا على سموم عصبية تنتجها بكتريا تسمى Clostridium botulinum، وتوجد البكتيريا بشكل طبيعي في تربة الغابات، ورواسب القاع من البحيرات والجداول والمسالك المعوية لبعض الأسماك والحيوانات. وتشمل الأعراض ضعف العضلات، صعوبة في التحدث والبلع، والرؤية المزدوجة غير الواضحة.

فيروس إيبولا
فيروس إيبولا (EVD) هو مرض فتاك ناجم عن الإصابة بأحد أشكال هذا الفيروس، وقد اكتُشِف الإيبولا لأول مرة في عام 1976 في جمهورية الكونغو الديمقراطية منتقلًا إلى البشر من الحيوانات البرية، مما تسبب في معدل وفيات كبير نسبيًا، ويشكل الإيبولا كسلاح بيولوجي تهديدًا كبيرًا للإنسان بسبب حدته، ومعدل الوفيات المرتبط به، وسرعة انتشاره، وقد ظهر كسلاح بيولوجي لأول مرة في الاتحاد السوفيتي بموجب خطة نفذت ما بين 1986 و1990، لكن لم تكتشف أدلة قاطعة على أنه مستخدم بالفعل.

تبقى الأسلحة البيولوجية فكرة في مرمى المناقشة، ورغم ما لها من أضرار بالغة، وتكلفة باهظة لا شك سيشارك في دفع ثمنها سكان الكوكب مجتمعين، إلا أنها قد تكون نقطة اتزان وعدل في المفاوضات بين القوى المالكة لأدوات الانتصار العسكري المسبق، والأخرى المستضعفة التي قد تكون محكومة بالفشل والخسارة مستقبلًا، بيد أنها سلاح يحتاج إلى يقظة فائقة، ودُربة لا مكان فيها للراحة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة