هل تدخل الجيوش في السياسة مفيد للشعوب؟

أولا عنوان المقال جاء على طريقة السؤال التعجبي لغاية سيجيب عنها المقال، لأن موضوع علاقة الجيش بالسياسة هو موضوع وجودي، أي أن يكون للجيش تدخل في السياسة أم لا، وأن تكون الإجابة بنعم فإن المقال سيصبح بحثا أكاديميا وليس طرحا فكريا، اما ان تكون بلا، فسيكون الموضوع معالجة ثقافية لها علاقة بتسيير الشأن العالم، لكن الفكرة ليست هذه ولا تلك، وإنما هي محاولة لرؤية فوقية شاملة لعلاقة المدني بالعسكري، وعلاقة السلاح بالكوستيم (لباس السياسي) وعلاقة الحرب بالديبلوماسية، ثانيا لابد وأن نقدم اعتذارنا لسكان ومثقفي نصف الكرة الشمالي من الكرة الأرضية لأن الامر في المجتمعات الحديثة أصبح يشبه بديهيات العمل العام الذي أصبح لا يسعى إلا للرفاه وما القوة إلا سبيلا لتحقيق ذلك وليس العكس.

    

طرح الموضوع في سياق فلسفي

هناك من فلاسفة السياسة من عالج مكونات الدولة أو بنيتها على أساس انها تشبه بنية وتكوين الإنسان نفسه، الذي توجد لديه غرائز تلبي حاجات بقائه سليما أمنا، وطموح يدفعه لتحسين حياته للأحسن، وللإنسان إرادة من خلالها يسوس ويقود جسمه نحو البقاء والنمو ومصدر الإرادة هو العقل أو المخ على رأي الماديين الذين لا يعترفون بوجود العقل والروح، كما للإنسان جهاز يسمى بالجهاز العصبي والمناعي الذي يحمي الجسم من أي ضرر مادي إذا ما تعرض للضرب أو العنف أو السقوط وهو يسير في الطبيعة، والجهاز الدفاعي هذا لدى الإنسان هو جهاز لا إرادي يعمل تلقائيا ولا يحتاج لإرادة الإنسان ليبدأ عمله، وإنما يحدث أحيانا العكس فنرى مناعة مواكز الأعصاب في جسم الإنسان ترسل لمركز الإرادة تنبيهات وإشارات وتحذيرات تجعله يشعر بالألم أو الوجع أو الخوف وغيرها، وتنتظر الإرادة ماذا ستقرر فهل سيهرب الإنسان اذا ما لاحظ خطرا أمامه او يتحداه أو يراوغه ويتغلب عليه، وبهذه السياسة والقيادة المشتركة بين أجهزة الدفاع والإرادة استطاع البشر التغلب على الأسد مثلا في الغابة وعلى الافاعي الخطيرة واستطاع أن يروض أغلب الحيوانات العنيفة ويجعل منها لعبة في يديه وما السرك إلا دليلا لما نقول، بل والأكثر من ذلك استطاع الإنسان التغلب حتى على الجراثيم والبكتيريا الضارة والفيروسات الضارة التي لا يمكن لجهاز المناعة وحده التغلب عليها بل يحتاج لإرادة تغامر وتخاطر وتخطئ وتصيب حتى تنتصر في الأخير، ولو تركت قيادة جسم الإنسان لمناعته فقط لهلك من عصور بعيدة، وحتى لو بقي على قيد الحياة فإنه حتما لن يصل لما وصل له الأن من تقدم وحضارة عظيمة.

 

حينما حدثت الثورة المصرية وحدث بعدها تدخل الجيش وانقلابه على المؤسسات السياسية والسيطرة عليها، كانت الحجة أن جسم الدولة المصرية في خطر كبير، ويجب حماية الدولة المصرية

وبالتالي فالإنسان مكون من:

– جهاز عصبي ومناعي ويمثل الأجهزة الأمنية والعسكرية في الدولة الحديثة.

– إرادة يقوم بها ويمارسها المخ والعقل لدراسة حالته وكل احتمالات النجاح والخسارة والتخطيط لتجاوز المصاعب وتلك هي وظيفة الاجهزة السياسية في الدولة الحديثة.

– سلوكيات وتصرفات ولغة للتعامل والتواصل مع الاخرين والاستفادة منهم أو تحذيرهم أو شكرهم ومدحهم، وتلك وظيفة الأجهزة الديبلوماسية في الدولة الحديثة من سفارات وقنصليات وأجهزة مخاباراتية.

 

تخيلوا إنسان ليس له إرادة أو له مشكلة في مخه وعقله، فهو حتما سيكون مجنونا كالذي نراهم في شوارعنا، وهؤلاء كما هو معروف لهم جهاز مناعي قوي جدا فقد يأكلون من القمامة ولا يحدث لهم شيء، وقد يتعاركون مع حيوانات مفترسة وعنيفة وقد يفوزون مرة ويخسرون مرات أخرى، لكنهم سيبقون بشر مجانين متسخين لا يتقدمون للأمام ولا يتطورون بل يزيد تقهقرهم للخلف يوما بعد يوم حتى الموت والزوال الحتمي لهم.. وهؤلاء هم مثل الدول التي تسوسها الجيوش.

 

تخيلوا معي إنسان له إرادة وله مخ سليم لكن جهازه العصبي والمناعي مريض وفيه أعطاب كثيرة، حتما سيكون هذا الإنسان سليم له لغة يتكلم بها وله سلوكيات سوية وقد يطلب من غيره المساعدة وقد يحصل عليها فيداوي نفسه او يعيش سليما بالأدوية والمضادات الحيوية طيلة حياته، وقد يتقدم قليلا وينمو وتتحسن حالته وبنيته، لكنه دائما يبقى في خطر إذا ما تخلى عنه الأخرون أو انقطع عن تعاطي الادوية فإنه سينهار ويموت في لحظات.. وهؤلاء هم مثل الدولة التي تكون جيوشها ضعيفة وأجهزتها الامنية معطلة أو فيها أعطاب.

 

تخيلوا معي إنسان له جهاز مناعة سليم وقابل للتقوية والتطوير عن طريق اللقاح والادوية والتمارين الرياضية والهدوء النفسي، ويكون له مخ وعقل سليم يعمل بكل حرية وإرادة مستقلة عن طريق إحترام التنبيهات والتحذيرات التي تأتيه من جهازه العصبي والمناعي، فإذا ما أحس بالتعب ارتاح قليلا، وإذا ما شعر بالخوف أخذ حذرة وإذا مر جسمه بمرحلة حرجة فإنه هو من يقود، وقد يتحمل العطش أحيانا والجوع والألم ليحقق هدفه في ببناء جسم قوي وسليم بمخ وعقل سليم، لكن أحيانا جسمك بجهازه العصبي والمناعي قد يرفض شرب بعض الأدوية المرة والمقززة، وقد يرفض أن ترهقه أحيانا بالممارسات الرياضية المتكررة، وقد يرفض أن تتركه يتألم قليلا لمواجهة الانفلوانزا الموسمية مثلا، وقد يرفض ان تمنعه من اكل بعض الاطعمة بكثرة كالحلويات أو الزيوت او الشحوم في سبيل غاية مستقبلة هي أن يعيش أكثر وبصحة أحسن.. وهؤلاء هم الدول الحديثة المتقدمة التي تقودها المؤسسات السياسية وتنسق مع أجهزتها العسكرية والامنية لكن يبقى دائما القول الفصل والإرادة الحرة للمؤسسات السياسية التي يراقبها الشعب ويصنعها الشعب ويجبرها على إيصاله لبر الآمان.

  

صناعة القرار يساهم فيها الجميع كل حسب قوته وتخصصه، أما السياسة فهي تمثل جانب الإرادة الحرة والمستقلة في سياسة وقيادة الدول
بعض الإسقاطات الواقعية

حينما حدثت الثورة المصرية وحدث بعدها تدخل الجيش وانقلابه على المؤسسات السياسية والسيطرة عليها، كانت الحجة أن جسم الدولة المصرية في خطر كبير، ويجب حماية الدولة المصرية، وسيطر الجهاز العصبي والمناع على جسم الدولة المصرية واغتيلت الإرادة فيه، وأصبح النظام المصري بعدها كالإنسان المجنون فلا تقدم تحقق ولا تشوهات في شوارع البلاد تم معالجتها، ولا تدخل خارجي كانت قادرة على مواجهته، وقد رأينا أن النظام المصري العسكري العصبي والمناعي تخلى عن بعض جغرافيته متمثلة في الجزر التي سلمها للسعودية لتنفيذ خطة صهيونية إقليمية تجعل إسرائيل تسيطر على منافذ مهمة في البحر الأحمر، كما رأينا مشكلة سد النهضة في أثيوبيا والتي لم يستطع النظام المصري معالجتها وقد يصيب الشعب المصري العطش والجفاف في سنواته القادمة، كما أن الفقر زاد والتخلف نما والرداءة تمكنت اكثر، والزمن كفيل بأن يحول مصر لدولة فاشلة على كل الأصعدة بعدما كانت تقود الشرق الاوسط والعالم العربي في أغلب المجالات السياسية والثقافية والفنية وغيرها عادت مصر دولة ضعيفة لا قوة سياسية وديبلوماسية لها، وهذا بسبب سيطرة الجيش على السياسة، لكن تونس مثلا حينما ترك للمؤسسات السياسية هامشا للنمو فيه وبسط إرادتها على جسم الدولة التونسية فنحن نرى الأن تونس في طريق النجاة والتحرر من الرداءة وإن كان الأمر بخطوات بطيئة.

 

ملاحظة ضرورية

نحن هنا نتكلم عن تدخل الجيش في السياسة وسيطرته عليها ولا نتكلم عن مساهمة الجيش في صناعة القرار السياسي داخل الدول، فصناعة القرار يساهم فيها الجميع كل حسب قوته وتخصصه، أما السياسة فهي تمثل جانب الإرادة الحرة والمستقلة في سياسة وقيادة الدول.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة