حروب الفضاء الإلكتروني.. بالأزرار تكسب المعارك

blogs هاكر

أضحى من يسيطر على المعلومات في زمن العولمة هو من يفوز بالرهانات المستقبلية، ولأن الولوج إلى المعلومات يرتبط بتقنيات تتقاطع في محاورها بالحواسيب وقطاعات وسائل التواصل وتكنولوجيا الاتصال والفضاء الإلكتروني، تغيرت كل معالم الحياة الإنسانية في ظل هذه التطورات، ولا تشكل الحروب والمواجهات استثناء، فقد ساهمت في تطوير وسيطرة البعد التكنولوجي في إدارة العمليات الحربية، إذ تغيرت معالمها واستراتيجيتها، إنها حروب بلا دماء غير أنها تخلف خسائر، فالتهديدات الأمنية انتقلت للفضاء السيبراني، فأصبحت حروب المستقبل حروبا بلا قواعد بمخاطر اعتداءات على البنية التحتية والإدارات أو المزاوجة بين الحرب التقليدية والسيبرانية، بافتقارها قواعد قانونية مؤطرة لها.

أولا: الحروب الجديدة

تغيرت معالم الحروب، بانتقالها "لساحة المعارك الخامسة"؛ فلم تعد ترتبط بفضاءات المواجهة التقليدية (البر والبحر والجو والفضاء الخارجي)، بولوجها للفضاء الإلكتروني، وفي ظل حالة عدم اليقين تبتكر الدول أشكالا جديدة للمواجهة؛ تتعدى عمليات التجسس الالكتروني (الولايات المتحدة تتهم روسي بش هجمات كالانتخابات اتهامات للصين وروسيا) لترتقي لأبعاد جديدة، كاستئجار القراصنة أو الاستعانة بمرتزقة السايبر The Cyber-Mercenaries للتجسس الالكتروني وخدمة أهداف الدول حرب يتم استعمال هذه الوسائل لسرقة البيانات أو شن هجمات منسقة ضد منشئات الدولة الخصم، لأن الرهان التحكم في المعلومات بما هو تحقيق للقوة والهيمنة والتفوق.

أضحى الفضاء الإلكتروني مجالا للصراع والحروب إطار الحرب السيبرانية الدولية، استدعت تطوير استراتيجيات للمواجهة، فلتأمين الفضاء الالكتروني لا مجال إلا بتطوير قواعد واستراتيجيات جديدة، وفي مقدمتها جيوش إلكترونية لتعزيز الأمن السيبراني

ومن المهم الإشارة إلى أن خطورة هذه الهجمات الإلكترونية ترتبط باستهدف المصالح الحيوية للدولة عبر التحكم بأنظمتها المعلوماتية وقطاعات الطاقة المالية والعسكرية، مُتخطية بداياتها الأولى بالتجسس وسرقة البيانات والتدمير والتلاعب بالمعلومات. وتصنف في ثلاثة مجالات: هجمات الهواة للاحتجاج السياسي أو للمتعة والهجمات الإجرامية لتحقيق الربح بخرق قواعد البيانات الشخصية أو المؤسسات، وأخيرا، الحروب الإلكترونية برعاية الدول.

وفي هذا السياق، قد تصنف ميدان هذه الحروب السيبرانية ضمن الهجمات منخفضة التكلفة حيث لا تتطلب جيوشا، كما وقد توصف بانها امتداد للحروب النفسية ونشر المعلومات المضللة فلم تعد تتطلب جيوشا تقليدية، إنما جيوشا أسلحتها أزرار إلكترونية ولوحة المفاتيح وأسلحتها الحواسيب والأنظمة المعلوماتيةـ إنها حروب المستقبل، قد يبدو انها في بداياتها الأولى، وكان ذروة التحول بالإعلان عن أول هجوم مبرمج باستخدام صاروخ إلكتروني مبرمج للهجوم على نوع معين من الحواسيب واعتبرت إيران الهجوم التي تعرضت له منشائتها النووية باستخدام فيروس ستاكسنت Stuxnet باستهداف أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، ووجهت أصابع الاتهام إلى الخبراء الأمريكيين والإسرائيليين لإلحاق الضرر بقدرات إيران النووية، ثم استهدفت دول أخرى، وستتجدد قصة هجمات الفيروسات العالمية والنقاش حولها، بعد استهداف قراصنة لحواسيب شركة سوني لمنعها من عرض فيلم كوميدي THE INTERVIEW عن مخطط لاغتيال الرئيس الكوري الشمالي، وتتهم واشنطن بيونغ ينغ بالمسئولية عن هذه الهجمات، وقد اعتبرته الاخيرة "عملا صالحا لم تقم به"، أثمرت هذه الهجمات وقف الشركة لعرضه.

وفي سياق مختلف، لا ترتبط هذه الهجمات بمواجهات متكافئة، إنما ارتقت لمواجهات تتعدى صراع للإرادات بين الدول، بهجمات إلكترونية للفاعلين من غير الدول، إذ تتحرك هذه الأخيرة بقوة في هذا الفضاء في حروبها المستمرة، وبأشكال ومسميات مختلفة، فالإرهاب الإلكتروني هي هجمات تشنها المنظمات الإرهابية مستهدفة الأنظمة المعلوماتية للدول عبر الفضاء الإلكتروني لتخريب المنشئات والمعطيات الاستراتيجية كمساهمة في الحرب المقدسة، كما أن جماعات القرصنة وأشهرها أنونيموس تُدبر هجمات منسقة بصبغة سياسية كالتضامن مع الفلسطيني باستهداف المواقع الإسرائيلية، أو إعلان الحرب على تنظيم داعش بعد هجمات باريس بإغلاق حسابات مؤيديه وتسريب معلوماتهم وخططهم وغيرها من الحملات.

ثانيا: الجيوش الإلكترونية

أضحى الفضاء الإلكتروني مجالا للصراع والحروب إطار الحرب السيبرانية الدولية، استدعت تطوير استراتيجيات للمواجهة، فلتأمين الفضاء الالكتروني لا مجال إلا بتطوير قواعد واستراتيجيات جديدة، وفي مقدمتها جيوش إلكترونية لتعزيز الأمن السيبراني بوسائل تقنية وتنظيمية وادارية تكفل أمن المعلومات، لتوفير الانذار المبكر والدفاع السيبراني ضد الهجمات الالكترونية. وقد تحركت دول العالم من أجل اعداد قوات عسكرية تتسلح بالمعلوميات من اجل الدفاع عن أمنها الالكتروني وتطوير انظمة الحماية للتصدي لهجمات الاعداء و تعزيز قدراتها الهجومية، وقد طورت الدول الكبرى جيوشها في سياق الاستعداد للتصدي للهجمات السيبرانية، بوحدات خاصة إلكترونية.

تتحرك الدول الكبرى للدفاع والهجوم باستراتيجيات قتالية وبوحدات عسكرية محورية، تتسلح بالمعلوميات لتأمين أمنها الالكتروني، وتتنافس من اجل تعميق حضورها بهذا المجال، فالاتهامات للصين يؤكد تعزيزها لوحدات خاصة لخوض هذه المعارك والتطور المحوري لهذه الوحدات مكنها من إجراء أول تدريب ومناورات عسكرية الكترونية باستخدام التكنولوجيا. كما أعدت الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية الوطنية لحماية الفضاء السيبراني منذ 2003 لحماية الفضاء الرقمي، أوكلت للقيادة السيبرانية الامريكية USCYBERCOM مهمة تعزيز الامن السيبراني للدفاع والهجوم على الهجمات الالكترونية، والحفاظ على الامن الامريكي، ولأن روسيا تتهم بتسييرها لكبرى عمليات القرصنة الكبرى الإلكترونية في العالم، بتنفيذ استخباراتها الداخلية وجيش خاص للأمن الفضائي، ولمواكبة التهدديات السيبرانية، شكلت وزارة الدفاع البريطانية الكتيبة 77 لخوض الحرب المعلوماتية ومواجهة تحديات الهجمات السيبرانية، كما أن المانيا أعلنت ميلاد الجيش الإلكتروني مكلف بمهام دفاعية وهجومية على الساحة الإلكترونية، كما سرات على منوالهما كل الدول.

وردت إسرائيل بقوة في ما سبق، وتصنف كرائدة في هذ المواجهات الإلكترونية، وتتولى وحدة 8200 المسؤولية عن التجسس الالكتروني وتأمين المجال الحيوي الالكتروني الإسرائيلي، ودورها في التجنيد والاستدراج بمنطقة الشرق الأوسط، ومحورها خوض الحرب الإلكترونية ضد الاعداء كحركات المقاومة وإيران، وهذه الأخيرة، كما أشير تتناوش مع إسرائيل وغيرها، وتؤكد مصادر إن إيران تملك جيشا إلكترونيا ICR تابع للحرس الثوري ينسق هجمات إلكترونية وتأمين محالها الأمني.

ثالثا: الحرب الإلكترونية عربيا

الحروب الإلكترونية تستمر في العالم العربي، فتعزيز القوى الكبرى لتدخلاتها بالمنطقة لتحصين نفوذها، وتعزيز حضورها يتقاطع مع مواجهات مضادة من فاعلين لتستمر الحروب بأشكال مختلفة، الهجمات الإقليمية تستمر في استهدافها إسرائيل تشن هجماتها الاستنزاف والتجنيد وغيرها من العمليات، ومن جانبها حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية تتجاذب هجمات متبادلة في حرب مستمرة بينها وبين إسرائيل، أو مع المواجهات الإسرائيلية- الإيرانية المتبادلة وصلت لاتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لإيران بشن عمليات يومية استمرارا للحرب غير المباشرة بين البلدين. كما كانت دول الشرق الأوسطية محورا لعمليات سيبرانية، فكانت السعودية محورا لهجمات منظمة تستهدف جهات حكومية وقطاعات حيوية بتعطيل الخدمات عنها، وتجددت في حرب اليمن.

وفي سياق الثورات العربية كانت الحرب السيبرانية حاضرة، لقد كان الفضاء الإلكتروني المحطة الاولى للاحتجاج ضد "الديكتاتور" وكان النضال الافتراضي في منصات التواصل الاجتماعي عنصرا مكملا للنضال في المجال العام، وقد استغل النشطاء ما تبقى من هوامش التحرك المتاحة في بلدان الربيع العربي في العالم الرقمي بعد إحكام الانظمة لقبضتها الحديدة على الفضاءات العمومية، ولم تشكل مساحة للتعبير فقط إنما للتأطير وتعزيز المشاركة العامة في الثورات والاحتجاجات وتعزيز الوعي بالمشاركة، غير أنها تحولت فيما بعد لساحة للتناحر بتوظيف هذا المجال لنشر الدعاية والأخبار الزائفة للدفاع عن الأنظمة الحاكمة.

فقد استثمرت الأنظمة العربية في الفضاء الإلكتروني من أجل المراقبة وتوقع تحركات النشطاء، فاستعادت زمام المبادرة حيث استعانت ببرامج للمراقبة -بعد أن كانت تراهن سابقا على استراتيجية تجميد وإلغاء خدمات الإنترنت- للتضيق الالكتروني على النشطاء داخل الفضاء الرقمي، فأكثر من 16 دولة عربية مستهدفة ببرنامج التجسس بيغاسوس، وتحوم شكوك حول استغلال الحكومات لهذه البرمجيات للتجسس واختراق هواتف المستهدفين أغلبهم نشطاء وصحفيين.

لقد كانت البداية بكشوفات عن استعمال الحكومة السورية لبرامج مراقبة وتجسس على أجهزة الكمبيوترات المستهدفة للنشطاء المعارضة السورية، وتوظيف الجيش السوري الالكتروني، وهم مجموعة قراصنة إنترنت تُتهم بأنها ذراع تقنية للجيش يقوم بخرق وهجمات على مواقع إخبارية وحقوقية ودبلوماسية وترك رسائل تتصل بالأزمة السورية، وتوجيه انتقادات والدفاع عن النظام الحاكم. وعلى منوالها سارت باقي الدول، فليست مصادفة أن تتوج البلدان العربية كالبحرين والعربية السعودية وسوريا والإمارات واليمن على رأس الدول الأكثر مراقبة للإنترنت، التي تفرض رقابة على الإنترنت حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود. هذا القمع الإلكتروني يُستثمر للسيطرة على منشورات مواقع التواصل الاجتماعي وتعززه بقوانين لتقنينها، ويحتدم الجدل حيالها بين دفاع عن الأمن المعلوماتي واتهامات بتقييد الحريات وتطرح حيالها إشكالية تهديد الحرية الفردية والتعبير.

وختاما، لا شك أن هذه الحروب تدور خلف شاشات الحواسيب، فتخطط القوى الكبرى للتحكم فيها وتعزيز أمنها القومي، أما باقي الدول فتبقى رهينة تحركاتها، وغير بعيد، الدول العربية تعاني من تهديداتها، وإن كان حضورها لصالح تضييق الحريات وإحكام القبضة على الفضاء الرقمي، وتبقى الحرب مستمرة، فبالأزرار تكسب المعارك أو تخسر!