السعادة.. الوهم الذي يطارده الجميع

كل علماء الإسلام دون استثناء متّفقون على أن السعادة لها طريق وحيد وهو إتباع تعاليم الشريعة واجتناب قدر المستطاع من نواهيها، بحيث يعتبرون العبادة كمقياس للسعادة، فكلما زادت عبادة الإنسان وتعلقه بالله سبحانه وتعالى كلما زادت سعادته. لكن كلمة السعادة في حقيقتها هي مفهوم خلق جدلا واسعا واستشكل عقول الكثير من الفلاسفة والعلماء منذ قرون من الزمن، فهذا المفهوم لم يسلم من أقلام حتى آباء الفلسفة -الفلاسفة اليونانيين-، جلهم تقريبا وضعوه أمام أعينهم تحت عدساتهم محاولين الاهتداء إلى مختلف السبل التي توصل إلى السعادة وأسرارها ومفاتيح أبوابها، الحال نفسه استمر مع رواد الفلسفة العربية أو الإسلامية على وجه العموم، ثم انتقل مفهوم السعادة إلى ساحة الفلسفة الحديثة لتفحصه أعين كبار الفلاسفة  والعلماء الغربيين. وإجاباتهم عن سؤال السعادة انحصرت بين مجموعة من القيم الفاضلة والخيرة، فمنهم من قال الحب ومنهم من قال العدل ومنهم من قال العلم والمعرفة ومنهم من قال الرضا..

لكن يبقى رأي علماء الإسلام في السعادة رأيا شاملا، أي أنه جمع كل آراء الفلاسفة، بل وقد زاد عليها الكثير، فإذا تحدثت عن المعرفة  فالقرآن يقول: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وإذا تحدثت عن الحب: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم، وإذا تحدثت عن الخير: ويسارعون في الخيرات، وإذا تحدثت عن العدل: وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى…. صحيح أن هذا الرأي هو رأي شامل دون منازع، لكن لا يعني هذا أنني مؤيد له ولكني في الحقيقة أسعى إلى انتقاده، لكن قبل أن أبدأ في ذلك دعونا نسلط الضوء على مفهوم السعادة وننظر كيف تناولها القرآن الكريم.

القرآن يرفض استخدام كلمة السعادة، بأن هذا قول مبالغ فيه وأن ذلك لم يحدث عن قصد، في الحقيقة حتى أنا ترددت في هذا القول، لكنني تخليت عن ترددي

إذا تأملنا القرآن جيدا سنجده يرفض دائما التعبير عن السعادة بالكلمة نفسها ويعبر عنها بكلمة أخرى تشبهها إلى حد كبير وهي الفرح، كقوله سبحانه وتعالى: "ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ"، هذا الرفض لم يخترق إلا في موضع واحد سأذكره فيما بعد وسأوضح سبب ذلك، أما الآن فسنحاول الوقوف على مفهوم السعادة ومفهوم الفرح لنعرف العلاقة بينهما. إن علاقة الفرح بالسعادة واضحة ولا تحمل أي تعقيد ولا تحتاج منا إلى تفصيل معمق، فهي تكمن في كون المفهوم الثاني يحتوي الأول والعكس غير صحيح، فالفرح لا يعني السعادة في حد ذاتها ولكنه مجرد جزء متجزئ منها، أو بعبارة أفضل فالفرح هو سعادة محدودة الزمان والمكان تحصل مع حدث محدد. لكن لماذا الله عز وجل استخدم الفرح في مواضع كثيرة ولم يستخدم السعادة إلا في موضع واحد؟

علينا أن نعي جيدا أن القرآن لا يستخدم المترادفات عبثا بل يضع كل مرادف في مكانه الصحيح، فهو لم يستخدم كلمة السعادة إلا حينما أراد أن يعبر عن الفرح في الآخرة وورد هذا في سورة هود: يوم ياتي لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، ويقصد هنا ب يوم ياتي يوم الآخرة، فالفرح في الآخرة يليق بأن نسميه سعادة كونه فرح مطلق، فلا خوف ولا حزن هناك: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولا عطش ولا جوع: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ولا موت ولا فناء: ما عندكم ينفد وما عند الله باق، أو قوله: وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.

قد يصف البعض قولي: أن القرآن يرفض استخدام كلمة السعادة، بأن هذا قول مبالغ فيه وأن ذلك لم يحدث عن قصد، في الحقيقة حتى أنا ترددت في هذا القول، لكنني تخليت عن ترددي مباشرة بعد قراءتي للآية 170 من سورة آل عمران: "وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، فهؤلاء ماتوا أو استشهدوا ومع ذلك لم يتم وصفهم بالسعداء والسبب واضح، فقط لأن روحهم لا زالت في الحياة، إذن فهذه الآية تفصح لنا بلسان واضح أن القرآن يرفض تماما استخدام كلمة السعادة ما دام الأمر يتعلق بالحياة الدنيا.

إلى هنا لا زلت لم أنتقد رأي علماء الإسلام في السعادة، لكن الفكرة صارت تبدو واضحة أختصرها في هذا السؤال: هل يبقى من مجال للحديث عن السعادة ما دام القرآن يرفض الحديث عنها في الحياة الدنيا؟، أكيد أن هذه الحجة ليست كافية لكن سطوري لا زالت لم تنتهي بعد. ما نعلمه أن علماء الإسلام لم يتفقوا فقط على كون العبادة هي الطريق الوحيد للسعادة ولكنهم اتفقوا أيضا على شيء آخر وهو أن الأنبياء هم أفضل من عبد الله حق عبادته، وبالتالي حتى لا يحدث تناقض بين الرأيين فيجب أن نُقرَّ بأن الأنبياء هم الأكثر سعادة، لكن هذا غير صحيح، ولدحضه تكفينا آية واحدة من القرآن ووردت في سورة يوسف، حيث قال سبحانه وتعالى متحدثا عن يعقوب عليه السلام: وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، إذن يعقوب نبي وابيضت عيناه من الحزن، فهل لا زال  يحق لنا القول أن العبادة تحصّل السعادة؟

الآن يجوز لنا اعتبار أن الخلل في هذا الرأي واضح كالقمر في ليلة بدره، فالقول أن المتعبد يعيش قمة السعادة هو قول خاطئ، ولتصحيحه يجب أن نقول: أن المتعبد يعيش قمة الرضا، فالسعادة شيء والرضا  شيء آخر، فالرضا هو تقبل الأشياء بصورة إيجابية حتى وإن كانت سيئة، ويتضح لنا ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا لله، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. إذن فالشكر هنا  يقابله الفرح بينما الصبر يقابله الرضا، ولا يمكن للفرح أن يقابل الإثنين معا: الشكر والصبر.

إذن من خلال كل ما سلف يتضح لنا أن السعادة شيء لا يمكن تحصيله في الدنيا، ومن يدّعون أنهم سعداء فهم ينطبق عليهم قول شاعرنا ثميم البرغوثي: وَهْمُ الدوام ضروري يُعاش به… وربما روي الظمآن بالآل لكن حتى وإن استطعنا إثبات هذه الحقيقة بالحسابات الرياضية فإن السعادة ستظل وهما يطارده الجميع.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة