أصدقاء من العالم الافتراضي

قرأت اليوم مشاعر صديق على الفيس بوك وحزنه الشديد على وفاة صديقة افتراضية لا يعرف وجهها ولا من هي، ارتبط بها فكرا من خلال المنشورات والتعليقات والنقاشات، إنها صداقة أفكار توطدت مع المدة وصارت جزءا منه. قبل عقد ونصف أو أكثر كنت أقرأ صفحة موجودة في المجلات وهي أصدقاء بالمراسلة، يضع الشخص أهم معلوماته وهواياته وعنوانه البريدي، وكم سمعنا عن صداقات توطدت بزيارة أحدهم للآخر، وتطور الصداقة من المراسلة إلى معرفة شخصية -وهذا اليوم ما بات يحدث في العالم الافتراضي- حاليا لم يعد يوجد أصدقاء بالمراسلة، فشبكات التواصل الاجتماعي سهلت طريقة التعارف، وخلصتنا من وقت طويل حتى يصل البريد، كنت سابقا أرسل بريدا لمجلة ما أو جريدة محلية، يحتاج الأمر أسبوعين وأحيانا أكثر لأتلقى ردا، وعندما ظهر البريد الإلكتروني لم يتغير الأمر بشكل ملموس، بدلا من الذهاب لصندوق البريد تذهب لمقهى الإنترنت، ثم امتلكت حاسوبي الخاص، لم يكن الأمر سريعا أحيانا تتلقى الرد وغالبا تزدحم عناوينهم بالرسائل فلا يصل رسالتك وقت.

أصبحنا نتواصل بشكل يومي، ونقرأ لبعضنا البعض عدة مرات، إنك تحظى بأصدقاء افتراضيين صاروا جزءا من يومك، وإذا تأخرت منشوراتهم تفتقدهم، هم أقرب إليك في مشاعرهم وأفكارهم وتشاركهم تجاربك اليومية وانفعالاتك إيجابية وسلبية. هل جربت إضافة أصدقاء لا تعرفهم إلا من خلال صفحاتهم الإلكترونية؟ إضافة أصدقاء لا تعرفهم إلا من خلال بعض المنشورات التي تنال اهتمامك يشبه تعارفك بأصدقاء جدد اشتركت معهم في دورة تعلم لغة، في البداية الجميع يجهل بعضهم البعض، لكن يجمعهم فكرة رغبة تعلم لغة جديدة، مع الأيام والاحتكاك بعض هذه الصداقات تطور وتصبح دائمة، وبعضها ينتهي بانتهاء مدة الدورة، وبعضها لا يتطور أساسا يبقى في حدود زمالة ومعرفة خلال قاعة الدرس، في العالم الافتراضي تحتاج مدة أطول لتقيم الأشخاص الجدد الذين تعرفت إليهم، بعضهم قد يلغي صداقتك فجأة لأسبابه الخاصة، وبعضهم قد لا تعجبك طريقة كتابته وفكره كلما تعمقت في منشوراته، وقرأت تعليقاته، والغالب هو اقتصار المعرفة الافتراضية على الإعجاب وتعليقات بين الحين والآخر لفكرة ترغب مشاركتها.

سهولة التواصل في العالم الافتراضي وقدرتك على انتقاء ما تريد وترك ما لا يعجبك، أصبحت تؤثر على علاقاتنا الواقعية، ففي جلساتنا العائلية ومناسباتنا الاجتماعية، كثيرا ما تجد بعضهم يهرب من علاقة مفروضة عليه بالتشاغل في الهاتف

لابد من التأني والحذر عندما تقرر خوض تجربة الصداقات الافتراضية، قد يهوّن الأمر سهولة التخلص من أي شخص يتكشف لك لاحقا أنه لا تناسبك أفكاره، يبقى وعيك وثقافتك واحترامك لفكرك وأفكار الآخرين العامل الأكبر في نجاح هذه العلاقات أو فشلها. عليك تحديد وجهتك؛ ماذا تريد من الأصدقاء الافتراضيين؟ هل تبحث عن فكر أم علاقات تملأ صفحتك بالتعليقات سواء بفائدة أم بدونها، كثير من الصفحات تجد التعليقات تصل بالمئات، تكون معظم هذه التعليقات لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد يعلق شخص واحد عشر تعليقات عبارة عن صور تخرج عن موضوع المنشور، أم تعاني وحدة في حياتك الشخصية وتملأها بعلاقات افتراضية، هل تبحث عن شهرة سريعة دون أي مجهود أو تطوير لموهبتك؟ نحن نعلم أن الجهات المعنية لا تهتم إلا بالأشخاص الذين ينالون أكبر عدد من التعليقات والإعجابات، وللأسف أحيانا تكون أكبر من المستوى الذي يستحقه صاحبها، أم تبحث عن خبرات وتجارب تساعدك في هدف وضعته لنفسك؟

عندما تحدد وجهتك، ستعرف أي نوع من الأصدقاء الذين ستقبل صداقتهم وتبعث لهم، وذلك يجعلك أقل عرضة للعابثين وأصحاب الحسابات المزيفة. بعد تحديد وجهتك، ستتعرف إلى أصدقاء قد تتطور علاقاتك فيهم وتجمعك فعاليات معهم ونشاطات مشتركة على أرض الواقع، تخوض تجارب ممتعة توسع أفاقك وتزيد معرفتك، تنمي مواهبك وتعزز قدراتك، من أجمل الصداقات التي تعرفت إليها، صديقات كلما سألت عن شيء في مجال اهتماماتي، أجدهن مثل هالة النور يبعثن إضافات لمجموعات تساعدني فيما أحتاجه، نتواصل معا ونتعرف إلى مزيد من الشخصيات التي تساعد في صقل الهدف الذي نسعى إليه، نتشارك أرقام هواتفنا، نتفق على موعد لنتعرف إلى بعضنا البعض وجها لوجه، نتشارك أحيانا مشاكل تعترضنا، الأفكار نقاط جمعتنا منذ البداية.

إن ما أتاحته شبكات التواصل الاجتماعي من سهولة تبادل الفكر والمعرفة والمساعدة في فعل الخير وإيصاله لأشخاص لولاها لما وصلت إليهم، أضافت لحياتنا عوالم جديدة، فأنت تجلس في بيتك تشاهد بيئات خارج إطار محيطك، تعرف عن قرب بعيدا عن شاشات الأخبار وصفحاتها ما يحدث في فرنسا من صديق عرفته من خلالها، تشارك صديقا آخر يعاني بلده الحرب وتواسيه وأنت على مقعدك لم تتحرك، تضحك لتجربة صديق في الصين حول أكلة لم ترق له، تعرف ما يدور في العالم بحسب قائمة أصدقاء غالبا لن تلتقيهم لكنك تحب فكرهم وحضورهم الإلكتروني.

سهولة التواصل في العالم الافتراضي وقدرتك على انتقاء ما تريد وترك ما لا يعجبك، أصبحت تؤثر على علاقاتنا الواقعية، ففي جلساتنا العائلية ومناسباتنا الاجتماعية، كثيرا ما تجد بعضهم يهرب من علاقة مفروضة عليه بالتشاغل في الهاتف وكأنه نوع من أنواع التجاهل وعدم المتابعة، تختصر الأحاديث الشخصية وتكتفي بالجلوس صامتا أو الحديث عن أشياء عامة لا تعنيك كنوع من أنواع الجفاء وإلغاء الصداقة، تجلس لساعة مع شخص ما تكتفي بإلقاء تحية عابرة وصمت حتى تنتهي المناسبة كنوع من أنواع البلوك، لقد علمتنا حرية اختيار الصداقات في شبكات التواصل ضرورة اعتزال العلاقات التي تؤذينا وكيفية التعامل معها في الواقع. حدد وجهتك وهدفك قبل خوض تجربة أصدقاء افتراضيين حتى لا تقع في وعكات كنت بغنى عنها.



حول هذه القصة

الصداقة عالم غريب، معقد وبسيط في الآن ذاته؛ هو نتاج توافق فكري واختلاف في الطباع ومودة وعشرة تتجاوز المطبات بكل سلاسة. والصديق خضن تلجأ إليه في حالات الضيق والفرح والترح.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة