هل فكر الرئيس عبد الناصر في القيام بمبادرة الرئيس السادات؟

يذهب بعض المؤرّخين الثقاة إلى القول بأن كلّ الخطوات التي تصورّها العالم "إبداعات ساداتية" كانت في الأصل "أطروحات" غربية أو شرقية على الرئيس عبد الناصر لكن الرئيس عبد الناصر آثر عدم الخوض فيها. سألني أحد أساتذتنا المؤرخين هل يُمكن أن يكون هذا الموضوع ميدانا للبحث في رسالة دكتوراه متميّزة لطالب دكتوراه متميّز فأجبته بأن الدراسة لن تكتمل إلا بالاطلاع على وثائق الخارجية الأمريكية وأظن بعضها (أو بالأحرى معظمها) فيما يتعلّق بهذه الفترة لم يُكشف عنه الغطاء بعد.. قال أستاذنا: وما المانع أن يعمل على ما هو مُتاح من أدبيات منشورة، فقلت: إنه في هذه الحالة سيكون مضطراً إلى كثير من الاستنباط والاستنتاج والترجيح بأكثر مما تحتمله أعصاب طالب بحث في مُستهل حياته العلمية، فابتسم، وقال إنك تخشى عليه أن يُصبح "مُفتيا بالإجبار"، وكان هذا التعبير صادقاً بالفعل في التعبير عن مثل هذه الحالة التي يجد بعض الصحفيين والكُتّاب أنفسهم فيها حين يُحاولون حلّ ما يجدونه من التناقض فيستكملون الوقائع أو التطورات بطريقتهم هم، وليس بطريقة الرواية عما حدث بالفعل.

 

روى كثيرون من الذين كانوا يعرفون السيدة روز اليوسف أو يعملون معها أنها لما استقبلت ضباط الثورة حين ذهبوا لزيارتها في مكتبها من باب الترضية بعد القبض على الأستاذ إحسان عبد القدوس ثم الإفراج عنه، وجاءها هؤلاء الضباط أو الحكام الجدد في زيارة المجاملة فجلسوا منها مجلساً يُشبه مجلس التلاميذ من أستاذة لهم في سن والدتهم، وفي مكانة تفوق مكانة الوالدة التقليدية، فإذا بها تقول لهم بكلّ وضوح وصراحة: إن ضربة المعلم التي يُمكن لهم أن يُحرزوها هي أن يُسارعوا بإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بتسوية سريعة حتى يتفرّغوا لما ينتظرهم من مهمة النهوض بالوطن.

 

كان الولع بتكرار التاريخ يُشير على العالمين ببواطن الأمور باللجوء إلى الملك فيصل ملك السعودية ليؤدي الدور الذي أداه الملك سعود في 1957 حين استطاع إعادة سيناء إلى مصر

بالطبع فإن كثيرين من جيل السيدة روز اليوسف كانوا يقولون مثل هذا للضباط الذين كان أبرزهم وهو جمال الرئيس عبد الناصر قد وقع فيما يُسبه الأسر لدى الإسرائيليين، وذلك إن كان هناك تعبير عن "الأسر" يتجنب كلمة الأسر إلى كلمة "ما يُشبه الأسر". ولا شك في أن الذين يعرفون تاريخ الرئيس عبد الناصر جيداً يعرفون انه كان يقلب الرأي في كل قرار، وأنه في النهاية حين يُقرر قرارا ما كان ينتصر لرأي كان مُتاحاً أمام عينيه منذ البداية، لكنه أجّله أو بدا وكأنه فضّل عليه الرأي النقيض أو المُخالف. والذين يعرفون تطور الصراع العربي الإسرائيلي يعرفون تمام المعرفة أن الرئيس عبد الناصر قد قبِل بمبادرة روجرز قبل موته بشهور بل إنه كان مُتشوّقاً لها فلمّا جاءته قبِلَ بها.

 

ولكن هل فكّر الرئيس عبد الناصر في أن يخطو هو نفسه خطوة مُبكرة شبيهة بمبادرة السادات (قبل 1955 مثلا) حين بدأت التحرُّشات الإسرائيلية بمصر عبر الحدود والمناطق القريبة من الحدود. الإجابة: نعم، لكنه بحسابات الربح والخسارة التي تتعلق بزعامته هو وبشخصه هو وجد أن الامتناع عن مثل هذه الخطوة أفيد بكثير من اتخاذها، وذلك على الرغم من اقتناعه في ذلك الوقت بأنه كان لا بد من مثل هذه الخطوة ليتخطى الوسطاء الذين كانوا يستنزفون أعصابه ودمه منذ مرحلة مبكرة.

 

أقفز إلى ما بعد 1967 حين تكرست النكسة أو الهزيمة، وبدأ الواقع الجديد يتشكّل على الأرض وتبعياتها، وكلمة تبيعاتها هنا هي ترجمة حرفية ودقيقة للمصطلح الإنجليزي الدال على السيادة والتملك، وأصبحت القدس والضفة الغربية محل تهديد مباشر وسافر من الصهاينة أو الإسرائيليين بالتهويد الكامل والتام،  ففي ذلك الوقت بدأ الرئيس عبد الناصر يُلحّ على الملك حسين في أن يقوم هو (أي الملك حسين وليس الرئيس عبد الناصر) بأيّة مبادرة تنقذ بعض ما ضاع، ولم يكن الملك حسين بالطبع على استعداد أن يتحمّل كلَّ هذا الوزر بينما يبقى الرئيس عبد الناصر متفرجا يصول ويجول بالشعارات والوعود.

 

كان الولع بتكرار التاريخ يُشير على العالمين ببواطن الأمور باللجوء إلى الملك فيصل ملك السعودية ليؤدي الدور الذي أداه الملك سعود في 1957 حين استطاع إعادة سيناء إلى مصر، لكن الملك فيصل بالطبع لم يكن على استعداد لأن يُقدّم للرئيس عبد الناصر مثل هذه الخدمة المرهقة لأعصابه ومكانته ونفوذه بعدما لقيه منه من حروب شعواء طيلة سنوات ممتدة، وفضلاً عن هذا فإن ما حدث في نتيجة حرب 1956 أن المنهزم [وهو الرئيس عبد الناصر] استأثر بالمجد الذي كان من حق الراعي أو الوسيط المُنجز أو المنتصر سياسيا، وكان ذلك المنجز هو الملك سعود الذي استطاع بالضغط وأوراق الضغط أن يحصل لمصر على مجد المنتصر دون انتصار، ومع هذا فإن جميله قوبلَ لا بالنكران والجحود فحسب لكنه صُوِّرَ على أنه العدو، وسرعان ما كانت شهامته سببا كافيا لفقدانه عرشه بأقسى صورة، و لم يكن هناك أي سبب آخر لفقدانه عرشه إلا هذا السبب الذي أفقد الملك فاروق عرشه من قبل.

 

لعلي أعود من تلك الفترة للماضي قرابة ثلاث سنوات مثلاً حيث صدر في ذلك الوقت تصريح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في 1966 في زيارته لأريحا، فإذا بنا بعد هزيمة ١٩٦٧ نجد الرئيس بورقيبة وأمثاله عازفين تماماً عن ان يؤدوا أيَّ دور للقضية في ظل الخوف من الضجيج الناصري الذي سيتّهمُهم بالخيانة من قبل أن يقوموا بأيَّة خطوة. وأعود مرة أخرى إلى البدايات في الخمسينات وأجد تصويراً دقيقاً كان الإسرائيليون أنفسهم يُكرّرون الاستشهاد به:

 

كانت غولدا مائير قد تعودت أن تسخر من آن لآخر من شجاعة الرئيس عبد الناصر وكانت تُكرر عبارة مأثورة تزعم أن أحد المبعوثين الأمريكيين الكبار قد سمعها من الرئيس عبد الناصر نفسه عن السلام مع إسرائيل حيث قال الرئيس المهيب إنه إذا جاء بن جوريون إلى القاهرة لمقابلتي والتحدث معي حول الصلح فإنه سيعود بعدها إلى بلده كأعظم القادة المنتصرين، ولكن لو أنني أنا ذهبت إلى إسرائيل للغرض ذاته، فإن القاتل سيكون بانتظاري في مصر فور عودتي للقضاء علي! ونصل إلى السؤال الذي طرحناه في العنوان ونقول: هل كان ذلك كذلك.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة