أن تحب هويتك بعيدا عن التعصب

مدونات - الربيع الأمازيغي

وُلدنا في ظل هويات لا نملك دلائل دقيقة على انتمائنا لها، لكن غياب هذا الدليل لا ينبغي أن يمنعنا من محبة هذه الهويات، أن نحبها بعيدا عن التعصب، وأن نتعامل على ضوئها مع باقي الهويات بصفتها إنتاج للمجتمع الكوني، لكن أن تجد نفسك وسط مجتمع مجهول الهوية، فهذا أمر يدعو للأسف، ولعل هذا حال مجتمعنا المغربي، والذي يعيش ثنائي الهوية، بين تاريخ يؤكد أمازيغية هذا الشمال الإفريقي، وبين شعب يعتقد ويؤمن بأنه ينتمي لهوية وثقافة أخرى قادمة من الشرق، وما يثير السخرية في ذلك هو أن هذا الشرق يرفض هذا الانتماء المشترك مع الشمال الإفريقي، وهي نزاعات ورطتنا فيها الهوية، ودفعتنا إلى نسيان انتمائنا الكوني، كل ذلك في مقابل النبش في تفاصيل هويات مهما كانت أهميتها لن تغير شيئا من وضع غارق في مشاكل أخرى، قبل أن يعيش انفصاما في الهوية.

 

هذا الانفصام في الهوية يتجلى بقوة في انقسام أطياف المجتمع إلى طائفة ترى انتمائنا إلى الشرق بقوة الدين، ويفتخرون بهذا الانتماء الرباني، لكن التاريخ يسير في صالح الطائفة التي تجد في الهوية الأمازيغية ملاذا من التوزيع غير العادل للهويات، وفي ظل تشبت كل طائفة باختيارها، والذي يمكن اعتباره مزيفا في ظل غياب دلائل دقيقة تتبثه، لا يوجد لهذا الصراع من أجل الهوية حلا ملائما، سوى أن يتم التعالي عليه في سبيل اعتناق هوية موحدة، هوية تسعى لتصير جزء من المجتمع الكوني، وهي الهوية التي ما انفكت موجودة رغم الطمس الذي ظل يلاحقها.

 

أن نكون إنسان فهذا طموح منشود في النهاية، لكن قبل ذلك نحن مغاربة، وقبل ذلك نحن أمازيغ، وهكذا تسير تفاصيل انتماءاتنا المتعددة، والتي بقدر ما نتعالى عليها، نسير نحو اعتناق مشترك من شأنه أن يبدد الخلاف بيننا

لن ننتمي إلى الكون بالمعنى المطلق للانتماء، لكن الايمان بهذا الانتماء، سيدفعنا لنتعالى على انتماءات تضيق الخناق على وجودنا، وتنال من تعايشنا، والذي لن يكون ممكنا إلا في ظل السلام، ولذلك ينبغي أن نذيب كل ما يمكن أن يفرق بيننا، وأن نجعل مثل هذه الأمور بمثابة مسائل شخصية، وأن لا نجعلها تحدد طبيعة وجودنا وتواجدنا وتعايشنا مع الآخرين، لأن هذه الانتماءات في النهاية ليست سوى ثقافات ولدنا في ظلها دون أن نمتلك حرية اختيارها، وبما أن هذا الأمر كذلك، سيكون جميلا لو عرفنا أننا سنكون أفضل بعيدا عن هذا التعصب الزائد عن حده، والذي لن يجدي نفعا.

 

يضعنا الواقع بعد كل هذا السعي نحو المشترك في تفاصيل هوياتنا المتنوعة، هويات كدنا نفقدها بفعل الظروف، وهويات أجبرنا عليها بقوة الظروف، وهويات صارت مثيرة بفعل القوة، وفي ظل هذا التنوع، لا نجد بديلا عن محبة الانتماء الذي يمكن أن يمثلنا وجوديا، لكل فرد هويته، ولكل مجتمع هويته، وفي الغالب لا يرى هذا المجتمع نفسه بعيدا عن هويته، لأنها تفرض نفسها بالقوة، رغم ما قد تتعرض له من طمس وتذويب واستلاب، لكن الانتصار للهوية لا يكون إلا بواسطة الوعي، وبواسطته أيضا تصير هذه الهوية بمثابة طريق نحو المشترك الانساني.

 

يدفعنا الوعي لنكون واقعيين إلى حد ما في تعاملنا مع هويتنا، فنرى أننا لن نكون شيئا آخر بعيدا عن تاريخنا، ودون الاعتزاز بهويتنا، وأن نؤمن بأن ما صار موجودا بالقوة لا يمثل شيئا أمام ما يؤكده التاريخ، ورغم أن البقاء والمجد يكون في الغالب للأقوى، إلا أن ما يظل صامدا رغم كل محاولات الطمس، لا يمكن أن يكون غير حقيقة لم نعد نملك إلا أن نؤمن بها، لأنها باتت بناء على ما يؤكده التاريخ هي حقيقتنا العميقة، وحقيقتنا المنفية، والتي بدأت الحياة تدب في أعماقها، وذلك يؤكد من ناحية أخرى أن هذا الوجود المستمر هو دليل على هوية ما ننفك نهرب منها، وهي بالكاد تلاحقنا، لأنها لا يمكنها ان تكون غير حقيقتنا.

 

أن نكون إنسان فهذا طموح منشود في النهاية، لكن قبل ذلك نحن مغاربة، وقبل ذلك نحن أمازيغ، وهكذا تسير تفاصيل انتماءاتنا المتعددة، والتي بقدر ما نتعالى عليها، نسير نحو اعتناق مشترك من شأنه أن يبدد الخلاف بيننا، ورغم وجود هذا السعي وهذا الطموح المنشود، إلا أن انتماءاتنا تمثلنا في النهاية، وينبغي أن نعترف بها، وأن نؤمن ونفتخر بها، وليس أن نحتقرها وأن نقلل من شأنها، وفي ظل ما يشهدها واقعنا المغربي من صراع مرير من أجل الحسم في الهوية، لابد من حصول تعايش قويم مبني على احترام الاخر، احترام لا يبخس ما يحدد الآخر، ولا يقلل مما وجد فيه الاخر متنفسا نتيجة سعيه نحو تحقيق الذات.

 

الإيمان بالإنسانية في بعدها الكوني هي سبيلنا إلى الخلاص في النهاية، لكن تحقيق هذا الإيمان رهين بالتصالح مع الذات، وهو تصالح يفرض أن نعترف بحقيقتنا، وأن نرى الأمور من زاويتها الصحيحة، وأن نبتعد عن تبعية لا تشبهنا في شيء، وأن نفتخر بما يحددنا، وأن تصير هويتنا ملاذا لنا، وليس أن نفعل كما فعل العديد من أجدادنا، لما قرروا مجاراة ما تفرضه التيارات القادمة من الشرق، في مقابل الانسلاخ من هوية تظل ملتصقة بنا رغم كل الظروف، الشرق هو جزء منا، باعتبارنا نتشارك معهم عدة أمور، لكننا نمتلك خصوصياتنا، ولدينا ذاتنا، هذه الذات هي هويتنا المشتركة هنا في الشمال الإفريقي، والتي ستأخذنا بيقين تام نحو اعتناق المشترك الكوني، بناء على ما تنطوي عليه من حرية وتحرر.



حول هذه القصة

blogs المسلمون بالغرب

نحن مسلمون أوروبيون ننتمي للإسلام دينا، ونهتدى بأنوار القرآن العظيم الذي يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى والصدق والأمانة والتعارف بين الناس، وينهى عن الظلم والكراهية وقطع الأرحام.

blog by
Published On 20/9/2019
blogs كتب

الرواية العربية عرفت تحوّلاً لافتاً في بنياتها ومضامينها منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ولا يزال هذا التحوّلُ سائراً في طريقه ما دامت ثقافة الإنسان في تطوّرٍ مستمر.

blog by
Published On 3/10/2019
blogs مقهى

ورطتنا الحياة في مجتمع انتهت تاريخ صلاحيته، فلم يعد هناك أمل في نهضة من شأنها أن تُغيرنا نحو الأفضل، لكن ما أسوأ أن تتعافى على الأعطاب!

blog by
Published On 23/10/2019
blogs السودان

حكومات سودانية متعاقبة تبنت هيمنة النزعة العربية نهجا في سياساتها الداخلية والخارجية على حساب غيرها من الثقافات ذات الحضارات القديمة قدم الإنسان والنيل في الداخل.

blog by
Published On 24/7/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة