لماذا ستقلع عن التدخين بعد قراءة هذه القصة؟

كانت الساعة تشير إلى الغروب، حين بدت الشمس وكأنها تحاول إرجاء سقوطها المحتوم خلف التلال البعيدة، رأفة بحال ذاك الشاب العشريني اللاهث وراء سراب الضوء على سفوح رمال أخذت شكل الكون مداراً ومدى. حيث كان يتوجّب عليه الوصول قبل المغيب، إلى "جبل الراحة" غرب شبه جزيرة سيناء، كي يلحق بدليل مصري، أوكلت له مهمة تهريبه هو واثنين من رفاق النضال، عبر إيلات، إلى مدينة العقبة جنوب الأردن.

أخيراً، تمكن أحمد من الوصول في الموعد المحدد، دون أن يدري أن ما تكبده من عناء في الطريق بين غزة والعريش، ليس سوى بروفة لرحلة شاقة ستستمر ثلاثين يوماً تحت شمس حارقة تكوّرت لهباً وجحيماً في صيف عام 1969. فوق أطنان من رمال طُرزت بخطى مثقلة بالظمأ والتعب، لم تفارق مخيلته صور من آخر يوم له في المخيم: أصوات خافتة تقرأ الفاتحة على نية التوفيق فجر ذاك اليوم. مداولات تقضي بأن تقوم شقيقته الوسطى "سالمة" بتهريب لغم أرضي بين أرغفة خبز محمولة في وعاء معدني فوق رأسها، إلى الشارع العام، حيث تسير دوريات عسكرية إسرائيلية بين مركز شرطة النصيرات، ونقطة تفتيش في شارع صلاح الدين.

وصل المقاتلون على متن خمسة باصات، إلى معسكر منعم بشارع الرشيد في بغداد، وكان في استقبالهم، ممثل عن الرئيس العراقي آنذاك أحمد حسن البكر، حيث كان هناك توجيه من القيادات العربية بإقامة معسكرات لتدريب الفلسطينيين على حمل السلاح

تهليل وتكبير في أعقاب انفجار جيب عسكري، يودي بحياة ضابط وجرح ثلاثة جنود. أصداء العملية في أرجاء المخيم. خبر اعتقال أحد أفراد المجموعة. طرقات شديدة على شباك غرفته المطل على زقاق ضيق. صوت توفيق: "انفضح أمرنا". رائحة الماعز في شاحنة بيضاء تشق غياهب بيّارة تفضي إلى الحدود المصرية. في اليوم التاسع بعد العشرين، تسلل إلى نفس أحمد، شعور بأن أموج الرمال الملتهبة لن تقذفه إلى أرض ثابته، فبدت الصحراء وكأنها تنين جائع يقتفي أثر التائهين لابتلاعهم. لم تهدئ من روعه تأكيدات الدليل بأنهم على مشارف غروب واحد من الوصول إلى "رأس النقب".

كان ذلك اليوم الأطول في شهر المسير، بعد نفاذ جعبتهم من الطعام الذي كان عبارة عن خليط من طحين معجون بماء ملوث. فيما بعد سيكتشف في العاصمة الأردنية عمان، أنه أصيب بمرض البلهاربسيا وأمراض أخرى في المعدة، سيشفى منها لاحقاً في بيروت. صدق الدليل، ووصلوا بالفعل في صباح اليوم التالي إلى منطقة إيلات، كان عليهم الانتظار حتى غروب الشمس لقطع "وادي اليتم" الحدودي، لضمان خلو المنطقة من الدوريات العسكرية، تم الأمر بسلام ويسر، وما هي إلا ساعات حتى أصبحوا داخل الأراضي الأردنية، فيما عاد الدليل المصري أدراجه بعد ملء زوادته بما يعينه على قطع طريق العودة.

في خيمة نصبها لهم جماعة من عرب الإيحيوي، غطّ الثلاثة في نوم عميق، لم يستيقظوا إلا في صباح اليوم التالي، حيث جاءت سيارة تابعة لمكتب حركة فتح في العقبة، لتقلهم إلى مدينة معان، ومن ثم إلى العاصمة عمان. مكثوا يوماً في فندق العربي، قبل أن يتوجهوا إلى مكتب الإدارة العسكرية في جبل الحسين. بعد أسبوعين، صدر أمر بالسفر إلى العراق، للالتحاق بدورة عسكرية، وكان أحمد، من ضمن الذين تم اختيارهم لهذا الغرض، فيما بقي رفيقاه في معسكر تدريب بالأردن. كانت هذه المرة الأولى التي يخضع فيها لدورة عسكرية متقدمة، على خلاف الدورات البدائية التي تلقاها حين كان متطوعاً في مراكز التعبئة والتجنيد بقطاع غزة، قبل خمسة أعوام.

وصل المقاتلون على متن خمسة باصات، إلى معسكر منعم بشارع الرشيد في بغداد، وكان في استقبالهم، ممثل عن الرئيس العراقي آنذاك أحمد حسن البكر، حيث كان هناك توجيه من القيادات العربية بإقامة معسكرات لتدريب الفلسطينيين على حمل السلاح، خصوصاً في الجزائر، وسوريا، ومصر، والعراق، بالإضافة إلى الصين التي كانت أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتقيم مكتباً لها في العاصمة بكين. ذات صباح هادئ، خال من صيحات المقاتلين التي تلهب المعسكر حماسة وضجيجاً، وبينما كان أحمد منهمكاً في تنظيف سلاحه، اقتحم خيمته رجل أبيض البشرة طويل القامة، كأنه مارد خرج من فانوس سحري.

فاصل إعلاني..
عزيزي المُدخّن، لست في حاجة إلى قراءة قصة أو دراسة علمية، كي تقلع عن عادة التدخين، يكفي أن تكون لديك إرادة ورغبة حقيقية لتفعل ذلك. أما ما تقدم فهو عبث كاتب يختبر لياقة نفسه الروائي، تمهيداً لكتابة رواية طويلة حول الحلم الفلسطيني الذي تبدد على صخرة الوطن!



حول هذه القصة

نتوقع جميع الاحتمالات في الحب، لأننا لا ندري كيف سنقود تجربة الحب إلى النجاح، نعيش تجربة الحب على أمل أنها ستنجح، لكن ما إن نصطدم بالواقع حتى نعيد ترتيب توقعاتنا.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة