صلاح جديد الذي ظن أن السلاح يطيع السياسة فلقيّ أسود المصائر!

كان صلاح جديد هو القائد الفعلي لانقلاب 1966 الذي جعل حزب البعث ينفرد بالسلطة منذ ذلك الحين وقد قام بالانقلاب بسهولة لأنه كان رئيس أركان الجيش العربي السوري ما بين 1963 و1966 في عهد الرئيس أمين الحافظ (1921 ـ 2009) وقد فضل بعد انقلابه أن تُسند الرئاسة إلى الدكتور الطبيب نور الدين الأتاسي (1929 ـ 1992) وكذلك رئاسة الوزراء إلى طبيب آخر هو يوسف زعين ووزارة الخارجية إلى طبيب ثالث هو إبراهيم ماخوس، بينما بقي هو (كالنظام السوفييتي) أمينا قطريا مساعدا لحزب البعث العربي الاشتراكي.

 

تصوّر صلاح جديد بحُكم ثقافته ومُمارساته الناجحة ما بين 1963 و1970 أنه قادر على أن يُطوّع الأمور كقائد ونسي أن الدبابة هي التي مكّنته من الوصول إلى القيادة، وهكذا فإنه لم يجد حساب نتائج الصراع الذي دار بينه وبين وزير دفاعه حافظ الأسد في المؤتمر القطري الرابع لحزب البعث في سبتمبر 1968 على الرغم من أنه وجد أن الاشتراكيين والقوميين العرب والبعث العراقي يُعارضونه، وعلى الرغم من آثار حملات جمال الرئيس جمال عبد الناصر عليه، وهكذا فإنه في أثناء حرب أيلول السوداء بين الأردن والمنظمات الفلسطينية طلب من حافظ الأسد أن يدعم القوات السورية المحاربة مع الفلسطينيين بالطيران لكن الأسد رفض، وأعلن صلاح جديد عن مؤتمر طارئ للقيادة القومية في 30 أكتوبر لمُحاسبة حافظ الأسد،  لكن حافظ الأسد فعل ما يستعير المؤرخون له قول العامة :  تغدى به قبل أن يتعشى به، فحرّك الدبابات، وأتمّ ما سُمّي بالحركة التصحيحية واعتقل صلاح جديد وكافة القيادات ووضعهم جميعا في السجن وحكم سوريا ثلاثين عاما كاملة بالحديد والنار.

 

اشترك صلاح جديد في انقلاب مارس 1963 الذي أوصل البعثيين للحكم في سوريا منذ ذلك الحين وحتى الآن لكنه كان شريكا للقوميين والمستقلين وبقايا الليبرالية السورية المتمثلة في أحزاب ديموقراطية ضعيفة

صلاح جديد هو الاسم الغائب عن أدبياتنا المعاصرة الآن بينما كان هو الرائد لحافظ الأسد ومن جاء بعد حافظ الأسد ممن تفوقوا على الرئيس جمال الرئيس جمال عبد الناصر وممن تفوقوا على من احتذوا خطى الرئيس جمال عبد الناصر وماتوا قبل أن يبزغ نجم حافظ الأسد. صلاح جديد هو الذي مهّد لحافظ الأسد ومهما قيل من غدر حافظ الأسد به، فإنه هو الذي أتاح الفرصة للأسد ليظهر بجواره ثم ليظهر معه ثم ليظهر عليه حين غدر به.

 

كان صلاح جديد هو الذي أغرى الرئيس جمال عبد الناصر بأن يُكوّن حلفا معه ضد السعودية ولأول مرة في عهد الأسرة السعودية يحدث الحلف على هذا النحو، فقد كانت السعودية مع مصر على الدوام كما كانت مصر مع السعودية على الدوام فيما يتعلّق بوجود نفوذهما في سوريا لمواجهة الوهم الذي سمّوه الحلف الهاشمي، وها هي السعودية تقف مع سوريا بعد الانفصال عن الرئيس جمال عبد الناصر ولكن بغير أن يكون الامر أمر تحالف أو أمر محورين متواجهين لكن صلاح جديد بدهائه هو الذي استطاع أن يدفع الرئيس جمال عبد الناصر ليكون في مقدمة حلف مصري سوري ضد السعودية.. وكأن سوريا انضمت لمصر في حربها مع النظام السعودي، ومن الحق أن الرئيس جمال عبد الناصر كان بحاجة إلى هذا الحلف ليُغطي وجوده في اليمن من ناحية انه يُحرق أرضا عربية، فإذا به الآن وعلى يد صلاح جديد يُقدّمُ الأمر في صورة حلف تقدّمي في مواجهة حلف رجعي.

 

وسرعان ما اختلف الرجلان، ولهذا فإن خُطب الرئيس جمال عبد الناصر تحفل بالتسجيلات التي ينتقد فيها صلاح جديد بالاسم وقد وكانت احدى العبارات التي ردّدها الرئيس جمال عبد الناصر في بعض خطبه المُعادية لصلاح جديد تمثل ذروة من ذرى البلاغة المُستعملة في غير موضعها حين تظاهر الرئيس جمال عبد الناصر بأنه يصف الوضع في سوريا على يد صلاح جديد فإذا به يقول إن سوريا أصبحت مُقسّمة الآن هذا بعثي، وهذا سوري! ومعنى العبارة أن السوريين كلهم أصبحوا درجة ثانية بينما البعثي وحده هو الدرجة الأولى.

 

وأخيرا وليس آخرا فإن كل الذين يقولون إن قيادة سوريا ورّطت الرئيس جمال عبد الناصر في هزيمة 1967 لا يذكرون (وفي الغالب لا يعرفون) أن صاحب هذه القيادة التي فعلت هذا بالرئيس جمال عبد الناصر هو صلاح جديد نفسه. ومع هذا فإنه لما انعقد مؤتمر الخرطوم وقرّر العرب دعم المعركة وتعويض مصر والأردن وسوريا فإن سوريا رفضت أن تقبل الدعم.. وهكذا أضافت قيادة صلاح جديد حرجا جديدا إلى الحرج الذي وضعت فيه الرئيس جمال عبد الناصر (ومصر والأردن بالتبعية) دون أن يكون في حكمنا هذا أيّ تجن على صلاح جديد ولا على عبد الناصر.

 

أما تعبئة عقول الشباب السوري في منتصف الستينيات بالأفكار البُلشفية والماركسية فإنه إنجاز سُجّل باسم صلاح جديد، وعلى حين تكفّلت عيوب سياسات التثقيف المصري الحافلة بالتقصير بالتقليل من آثار الهسهسة التي تتكفل بها جُرعات الماركسية فإن جدية السوريين وعناية أهل الشام بالعلم والنصوص جعلت التسمم في سوريا اعلى بكثير مما كان في مصر بل أعلى مما كانت القيادة السوفييتية تطلبه من المصريين، ومما كانت العلاقات السوفييتية تتطلبه.

 

اشترك صلاح جديد في انقلاب مارس 1963 الذي أوصل البعثيين للحكم في سوريا منذ ذلك الحين وحتى الآن لكنه كان شريكا للقوميين والمستقلين وبقايا الليبرالية السورية المتمثلة في أحزاب ديموقراطية ضعيفة لكنه بعد ثلاث سنوات 1966 تخلى عن هؤلاء جميعا وانفراد البعث بالحكم وهو لا يدري أن الأقدار رتبته ليُمهّد لحافظ الأسد وبشار الأسد الذين حكما قرابة خمسين عاما مُتّصلة بعد أن تمّ التخلّص من صلاح جديد نفسه على أسوأ نمط يُمكن أن يتمّ به التخلّصُ من رائد سُلطوي من طبقته. سجن صلاح جديد في سجن المزة في عام 1970، واستمر هذا الزعيم الخطير ورجل الدولة والحزب في محبسه ثلاثا وعشرين سنة، من دون أن يتذكره العرب أو البعثيون بمقايضة أو مساومة مع الرئيس الأسد، وتوفي في السجن في 1993.



حول هذه القصة

لطالما تمتع حافظ الأسد بتقدير حسن بأوساط الدبلوماسية الغربية، وهو الذي يتحكم منذ عام 1970 بأقدار أحد أهم بلدان الشرق الأوسط وأكثرها حساسية، بتعداد سكانه 12 مليونا في ذلك الحين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة