التحريض البعثي اللأخلاقي.. الثورة اللبنانية نموذجاً

تتميز الحياة السياسية اللبنانية بظاهرة التحريض البعثي اللاخلاقي والذي يبتعد كل البعد عن الرد والحوار المنطقي المُعتاد، لكل من الأطراف السياسية المتعددة مجموعة معرفة للخروج إلى المنابر الإعلامية لإرسال رسالة إعلامية معينة بطريقة فضّة لا تخلو من التحريض الإعلامي والحزبي، والذي لا يرتقي لأن تسمعه الآذان. التحريض الفج بات ظاهرة سائدة داخل الأجواء السياسية اللبنانية المسّمومة بالألفاظ والأساليب التى لا ترتقي لأقل الأصول الإعلامية والصحفية، مما يُسمّم الأجواء لفترة طويلة، فهناك مواقف سياسية تحتاج للصمت والتريث أكثر من التراشق الإعلامي الذي يبث خيبة الأمل للناس.

المحرضون من كل الأطراف معروفون، ويلتقون في محافل رسمية، ويجلسون، ويتناولون طعامهم الشهي وبالتأكيد يتجاذبون طريف الحديث والكثير من الطرائف واللذائذ فيتصببون عرقاً من شدة الضحكات، ولكن لماذا يردّحون بفضّ الحديث إعلامياً؟ التحريض هو ذاك الأسلوب الهش الذي لا قوام له لغوياً ولا إستقامة له موضوعياً، يستخدمه غير الممّكنيّين من المسالك العقلانية، حينما يغيب الصواب عن عقولهم أو حينما لا يمتلكون الحقيقة كاملةً، يدخلون عراكاً كلامياً من أجل عزّة النفس دون تحقيق أي إنتصار سوى خوض المعركة من أجل أهداف شخصية نفسية تامة.

"حزمة إصلاحات" تاريخية، تغزل بها أركان "العهد الحالي"، واعتبروها معجزة لم تتحقق سوى بحراك المنتفضين، الذين طالبوا، وبحق كامل، أن تأت أدوات تنفيذية لتلك الإصلاحات غير متورطة

من يمتلك صوابية الحق وأدوات الحقيقية يُهذب النفسّ بالرد العقلاني الهادئ الذي يقدم الفكرة بتجرد واضح و باسلوب بسيط لا غلوّ فيه، يحاور الأخر بأدوات عقلانية ذات حقائق يقبلها العقل و الوجدان. في السياسة التحريض أسلوب حياة سُفلي للمناكفات الحزبية والسياسية، تغلفه غشاوات أيدولوجية تبتعد عن الصوابية العامة والمصالح الوطنية المشتركة، يمتطيها محرضون غير أبهيين بالنتائج السلبية التى ستعلق في نفوس الناس المتعبة من السعى خلف العيش المرّ، المنهكة من الأجواء السياسية المشحونة فئوية.

كنا نظن أن التحريض هو العالم السفلي للنساء في أزقة الفقر والجهل، تلك اللغة العامية البغيضة التى تدافع بها النساء عن ظلم وقع عليها، أو قلة حيلة تعتريها، أو كراهية تتملّكها. تلك اللغة المنحدرة التى لا تعرف لها معني لأنه بلا معني ولا سقف، فسقف الردح متدني لأنه لا سقف يُذكر للقاع. وإذ نلتمس ألف عذر لتحريض النساء في الأزقة الفقيرة والمهمشة التى يغلفها الجهل والعوز، فما هو عذر المحرضون السياسيون؟ التحريض السياسي مبالغات إعلامية في الرد غير الوطني وغير المنطقي وغير السياسي المعتاد في القضايا السياسية والوطنية المعتادة، هي طريقة مبتذلة للهروب من الحقيقية والإستحقاقات السياسية والديمقراطية والوطنية.

التحريض السياسي وتسمّيم الأجواء للهروب من الاستحقاقات الوطنية الكبري التى تشغل الناس، إنهاء الإنقسام وإعادة اللُحمّة الوطنية لجسم الوطن، الهروب من إستحقاق الانتخابات، الإلهاء الخفي عن متابعة سلاح حزب الله، إن توسيع رقعة التحريض أدت إلى الابتعاد عن ملامسة الحقيقة التى باتت بعيدة الأمال عن الناس والتى بدأت بالانخراط داخل هذه البيئة الموشومة بالتحريض، فإمتثل الناس لقادتهم ولأحزابهم فباتوا محرضين على مواقع التواصل الإجتماعي والقنوات التلفزيونية وساحات الثورة.

من باب المفارقة أن تتصدر إيران وأدواتها، البلد الذي تحرم فيه المظاهرات كليا "ربما بأمر إلهي (سوى من يهتف للروح القدس)، تتصدر فعل الردح السياسي للحركة الانتفاضية الشعبية غير المسبوقة في لبنان، والفعل الانتفاضي المتجدد في العراق، وتفتح كل أبواقها وخزائنها لو حدث ململة صوتية في أي بلد على غير وفاق معها، او لفئة تدين لها بالولاء المقدس، ووقفت متفرجة على تطهير عرقي وغزو تركي لحليفتها سوريا ارتباطا بمصالح إقليمية" بعيدا عن "المبادئ"، صمت يكشف أن وجودها في سوريا لتقاسم المصالح وليس دفاعا عن بلد من خطر سياسي.

في لبنان، الذي جسد أحد أبرز ظاهرة انتفاضية في تاريخه المعاصر، يقف "تحالف إيران السياسي" في لبنان بشراكة نصر الله وعون، موقفا غريبا، بل وشاذا من هذه الظاهرة، التي لم تكن ضمن حسابات المسار التقليدي الذي تحكم في بلد نخره الفساد والطائفية، نقلته من نموذج "مضيء" الى حالة ظلامية، اصابت أهلها بفقر لم يعد الصبر عليه ممكنا. انتفاضة لبنان، انطلقت عبر حركة عفوية، تعاملت معها "أجهزة التحالف الحاكم" بسخرية واستهتار خلال الساعات الأولى، وكعادة الفاشلين، رأت ان الحل الأمني كفيل بذلك، ففتحت عليها باب جهنم، لتفجر واحدة من ثورات الغضب – الجوع، التي ستكتب اسمها الى جانب انتفاضات الحرية في التاريخ الإنساني.

وبعد أن بدأت قوى التحالف الحاكم تيار نصر الله وعون والحريري، ان المسألة ليست مزحة سياسية ستنتهي بمزحة سياسية مضادة، أجبر ذلك التحالف خلال 48 ساعة على فتح سحر الحلول ليتقدم برزمة من الإصلاحات التي يمكن اعتبارها تاريخية ما قبل انتفاضة 17 أكتوبر، بل ربما حلم يقظة لا أكثر، لكن منفذيها سيكونون هم ذاتهم المتهمين بكل أشكال التهم، والذين طالب المنتفضين رحليهم بالشعار الذي بات أيقونة تضاف لأيقونات من سبقهم كلن_يعني_كلن، ارحل يعني ارحل، مع ابداعات لا تتوقف.

"حزمة إصلاحات" تاريخية، تغزل بها أركان "العهد الحالي"، واعتبروها معجزة لم تتحقق سوى بحراك المنتفضين، الذين طالبوا، وبحق كامل، أن تأت أدوات تنفيذية لتلك الإصلاحات غير متورطة، أدوات تتمكن من المسار بلا أي "شبهات وتهم" تحيط بها، وهنا كشف أركان تحالف العهد القائم حقيقة الموقف من "الإصلاحات" الذين تسابقوا بالادعاء انهم طالبوا بها منذ سنوات لكنهم لم يتمكنوا من فرضها (رغم انهم أغلبية الحكم والحكومة والبرلمان)، لم يكن حائلا بينهم سوى "شراكتهم في الفساد العام"، لذا كان التخليص المكثف للمنتفضين، كلن يعني كلن.

وبنغمة متناسقة خرج أركان العهد، لمحاولة "تشويه الحركة الشعبية"، وبذات اللغة تقريبا، انها بدأت "نقية" وانتهت "مشبوهة"، لأنها طالبت فقط بأداة إصلاح لحزمة الإصلاحات، كان يمكن أن تهدأ الانتفاضة، لو انهم قرروا استقالة الحكومة في حينه، وتشكيل حكومة مهنية مصغرة لفترة محددة، تمهد لانتخابات جديدة، وتعلن تشكيل لجنة لصياغة قانون انتخابي جديد، خارج الطائفية السياسية، حتى انتخاب برلمان "غير طائفي" يشرعن دستورا علمانيا بلا حصص لحارات سكنية طائفية، يمنع اغلاق مناطق على طائفة ويعود السكن حق وحر.

الاتهامات المتناسقة، وغالبها ساذج، للحركة الشعبية لم تنل منها بل نالت كثيرا ممن حاول التذاكي باتهامها، وزادتها قوة واتساعا مقابل انحسارا لمن حاول اتهامها، فاستبدل راية الوطن التي حملها ملايين الغاضبين براية فصيل حملها ألاف المغيبين. لبنان ينتفض، ليس شبهة بل حقا، ومن يراه غير ذلك ليعيد سماع ما قال بداية الكلام عن معجزاتها، لكنها لن تنفذ فهي طريق انهاء ما لا يجب أن ينتهي "الطائفية السياسية".



حول هذه القصة

الفقر والجوع وسوء الأوضاع المعيشية في أي بلد كان، لا يعرف طائفة ولا حزب، وهذا ما جعل الثوار بلبنان يتركون أحزابهم وطوائفهم التي ينتمون إليها ويشاركون جميعا تحت سقف واحد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة