من هو الحلقة الوسطى بين الرئيسين عبد الناصر وحافظ الأسد؟

عرف صلاح جديد 1929 – 1993 على أنه رجل سوريا القوي فيما بين عصر الرئيس عبد الناصر وعصر الرئيس حافظ الأسد، وليس في هذا مبالغة، بل إنه كان يفوق هذين الرئيسين في سطوته وقوته إن كان قدره أن يسجن ٢٣ عاما حتى يموت وهو في السجن بينما الرئيس حافظ الأسد يستمتع بلذة السلطة ونشوة التسلط. كان صلاح جديد بلا شك أبرز العسكريين العرب الذين وصلوا إلى أعلى درجات العسكرية، ثم مارسوا السياسة ممارسة مكثفة لا تقتصر على القيادة أو الوجود في موقع القيادة وإنما تتعدى هذا الأفق إلى الممارسة الواسعة للسياسة بأيدولوجيتها وديناميتها، وهو أبرز العسكريين العرب الذين عكسوا بتصرفاتهم ما كانوا اكتسبوه من معرفة أيديولوجية أو مكانة حزبية.

 

كان صلاح جديد هو الذي أرهق الرئيس جمال عبد الناصر وقد بدا وكأنه يُحرّك الرئيس جمال عبد الناصر يمينا ويسارا وسلبا وإيجابا ففي عهده عاد السفير السوري إلى مصر بعد أن كانت سوريا كلها جزءا من دولة الوحدة وجاءت عودة السفير لتكون بمثابة تحسّن في العلاقات بعد أن كانت العلاقات مقطوعة لكن دهاء صلاح جديد جعله يختار مُفكّرا وأديبا ليكون سفيرا لسوريا في القاهرة، فاختار الأديب الذي ترجم الأدب الروسي، اختار سامي الدروبي بنفسه وشحمه ولحمه ليقف أمام الرئيس جمال عبد الناصر يُقدم أوراق الاعتماد ثم يبكي من صعوبة اللحظة على أي إنسان وليهز مشاعر الرئيس جمال عبد الناصر مهما تجلد.

 

في أثناء وجوده في مصر شارك في تشكيل اللجنة العسكريّة، التي ضمّت كلّاً من: العقيد بشير صادق رئيساً، وعضويّة مزيد هنيدي، وممدوح شاغوري، وعبد الغني عيّاش، ومحمد عمران

كان صلاح جديد هو أول من أساء معاملة الفلسطينيين إلى درجة الاضطهاد، كان الرئيس جمال عبد الناصر يُقيدهم، ويُلاوعهم، ويضيع وقتهم، لكن صلاح جديد زاد على ذلك فابتدع الاضطهاد، كذلك فإنه اقتدى بعبد الناصر في معاملته للثوار اليمنيين، لجأ إلى اعتقال قادة الفدائيين الفلسطينيين وهو الذي اعتقل الحكيم جورج حبش مُبكّرا وهو الذي بدأ سياسة التفريق السياسي بين الفصائل الفلسطينية بدلا من أن يسعى على تآلفها وتوحدها.

 

لم يكن صلاح جديد عسكريا منغلقا وإنما كان صاحب قدرة متميزة على جدل معرفي، وقد غره الغرور فأورده جدله المعرفي مورد التهلكة حين ظن أنه يستمد مشروعيته من الحزب ومن مداولات الحزب ومن قرارات الحزب وترك الدبابة لحافظ الأسد فالتهمه الرئيس حافظ الأسد وسجنه 23 عاما مُتصلة في سجن المزة لم تنته إلا بوفاته وهو في السجن في 19 أغسطس 1993 في مأساة من المآسي الإنسانية التي لا تحدثُ إلا على يد العسكر المُشتغلين بالسياسة.

 

لن تجد اسم صلاح جديد في قائمة رؤساء سوريا ولا في قائمة رؤساء وزراء سوريا ولا في قائمة وزراء دفاعها لكنه كان الكل في الكل في الفترة ما بين 1966 و1970 فقد كان هو رئيس الجمهورية الفعلي ورئيس الوزراء الفعلي والأمين العام الفعلى للحزب الحاكم، وهو الذي كان صاحب أهم اسم عربي وأكثر نفوذ عربي يوم وفاة الرئيس جمال الرئيس جمال عبد الناصر ولكن من دون أن يظهر في الصورة. ولد صلاح جديد في 17 يناير 1929 في قرية الحديدية التابعة لمنطقة تل الكلخ، محافظة حمص، وكان والده محمد عزت جديد مدير ناحية، وعاش طفولته متنقلا مع أسرته بين النواحي التي عمل بها والده، وبين قريته الصلية دوير بعبدة التابعة لمنطقة جبلة محافظة اللاذقية.

 

في أواخر دراسته الثانوية انتمى إلى حزب البعث العربي الاشتراكي فنجا بهذا الانتماء على حد روايته من الانتماء إلى حزب أنطون سعادة الذي هو الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية انتسب إلى كلية الطب في جامعة دمشق ، ولكنه تركها ليلتحق بالكلية العسكرية في حمص 1949، وتخرّج 1951 برتبة ملازم اختصاص مدفعية ميدان، وانضم إلى الكتلة البعثية التي كانت موجودة في الجيش آنذاك بقيادة مصطفى حمدون، وعبد الغني قنوت وغيرهما…، وقد أمضى خدمته العسكرية متنقلا بين معسكرات قطنا والقطيفة والقنيطرة.

 

وقد اشترك في الانقلاب الخامس الذي هو ضد أديب الشيشكلي عام 1954، وعصيان قطنا عام 1957 دعما للضباط الوطنيين التقدميين في قيادة الجيش. وفيما بعد قيام الوحدة نقل إلى مصر فعمل في الجيش الثاني في الإقليم الجنوبي (مصر) وكان برتبة رائد وعُيّن قائداً لكتيبة مدفعية ميدان تابعة للفرقة الثانية مشاة المتمركزة على القناة في منطقة فايد ما بين مدينة الإسماعيلية، ومدينة السويس، ثم تولى قيادة مدفعية اللواء الرابع، وبعد ذلك نُقِل إلى مدرسة المدفعية لتدريب ضباط قادة اختصاص مدفعية ميدان.

 

وفي أثناء وجوده في مصر شارك في تشكيل اللجنة العسكريّة، التي ضمّت كلّاً من: العقيد بشير صادق رئيساً، وعضويّة مزيد هنيدي، وممدوح شاغوري، وعبد الغني عيّاش، ومحمد عمران.. وبعد فترة قصيرة نُقِلَ أربعة منهم إلى السلك الدبلوماسي (في سياق تصفية الضباط البعثيين من الرتب العليا في الجيش) وبقي محمد عمران وحيداً، ممّا دفعه لإيجاد اللجنة الثانية البديلة من النسق الثاني من الضبّاط البعثيين، وتشكّلت بناءً على أسس الأقدمية والتواجد في القاهرة، والاختصاص العسكري: المقدّم محمد عمران رئيساً، وعضوية كل من صلاح جديد، عثمان كنعان، عبد الكريم الجندي، أحمد المير، منير الجيرودي، حافظ الأسد (مدرعات، مدفعية، مشاة، طيران).

 

في أثناء الوحدة مع مصر عمل صلاح جديد في تشكيلات الجيش في مصر فلما قام انقلاب العقيد عبد الكريم النحلاوي الأول وحدث الانفصال احتجز في مصر لفترة قصيرة بعد الانقلاب ثم سُمح له بمُغادرة مصر حيث عاد إلى قواعده في سوريا وتمكّن من المُشاركة في انقلاب مارس 1963، ثم أتم انقلاب 1966. وعندما حدث الانفصال في 28 سبتمبر عام 1961 كان موجوداً في مصر فلم يُسجٓن لكنه أعيد إلى سورية، وبقرار من مجلس قيادة الثورة سُكن في رتبة مقدّم أسوة بأبناء دورته حينها، كما عُيّن نائباً لمدير إدارة شؤون الضباط التي كان مديرها اللواء غسان حدّاد..



حول هذه القصة

لطالما تمتع حافظ الأسد بتقدير حسن بأوساط الدبلوماسية الغربية، وهو الذي يتحكم منذ عام 1970 بأقدار أحد أهم بلدان الشرق الأوسط وأكثرها حساسية، بتعداد سكانه 12 مليونا في ذلك الحين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة