الاكتئاب لا يضرب وتراً واحداً!

BLOGS حزن

لا أعلم إذا ما زال لدي الحق بالتكلم عن الاكتئاب أم لا. لكنني ما زِلت أعلم كم هو مؤلم الاستماع للنصائح السطحية التي لا ترضي عقلية المكتئب. في البداية دعني أوضح أن شعورك بالحزن في الأيام الأخيرة أمرٌ مختلف جدا عن الكآبة. فالكآبة هي شرخ في الروح يتجلى على صورة حزنٍ ترافقه مجموعة من الافكار السوداويّة والتساؤلات الشائكة. فقد حظي الاكتئاب في الماضي باهتمام لا بأس فيه في مجالات مختلفة مثل الطب والدين والفلسفة. لكن في العقود الأخيرة بعدما أصبح الاكتئاب السبب الأول لحالات الانتحار حول العالم تحول هذا المرض إلى مادة دسمة على مائدة الأطباء النفسيين والرّقاة الشرعيين والكتّاب. لكن منهم من أدلى برأيه متحيزاً لعلمه أو اختصاصه، ناسيين حقيقة أن الاكتئاب لا يضرب وتراً واحداً.

منظمة الصحة العالمية تُعرّف الاكتئاب على أنه اعتلال عقلي يعاني فيه الشخص من الحزن وفقدان الرغبة بالقيام بالأعمال اليومية الاعتيادية. أما عن اعراضه وبدون إسهاب، لأنها -برأيي- تختلف باختلاف شخصيات المكتئبين وطبائعهم، لكن من أبرزها على الصعيد العضوي اختلال في النوم والشهية ما بين فَرط أو فقدان، وانخفاض مستوى التفاعل الاجتماعي للمصاب. أما علاجه طبياً فليس هنالك أي علاج طبي يشفي من الاكتئاب، بل توجد عقاقير تقلل من الأعراض المصاحبة للاكتئاب عن طريق إحداث إتزان في كيمياء الدماغ مستهدفةً هرمون السيروتونين.

لكن السؤال هنا، هل الاكتئاب بأفكاره وأعراضه ناتج عن انخفاض مستويات السيروتونين أم أن تراكم الأفكار السوداوية ومعايشة الواقع المعاصر- الذي وصل به الانسان إلى أدنى درجات الانحطاط الاخلاقي والمعرفي- هما من تسببا في انخفاض السيروتونين؟ هذا التساؤل الذي لطالما أشغلني، أدّى بي لفهم أعمق وأشمل للاكتئاب.

شخصية المكتئب
الاكتئاب هو عبارة عن منظومة متكاملة، فالحل هنا هو بناء منظومة جديدة من الأفعال والسلوكيات السليمة. واكتساب تلك المنظومة الجديدة لن يحصل في فترة وجيزة أو خلال ندوة تعليمية

"إنه مرض الأذكياء والمثقفين.. وكذلك فهو مرض هؤلاء الذين لم يعرف الشر طريقه إلى قلوبهم". هكذا وصف الطبيب المصري عادل صادق في كتابه حكايات نفسية المكئتبين. فشخصية المكتئب عالم بأسره من السمات والقدرات؛ فمخيلتهم جامحة تعشق الغوص في تفاصيل الأشياء، يملأ الشغف عيونهم لمعرفة المزيد فلا ترضيهم الحقائق الجاهزة والمسلّمات بدون إخضاعها لسلسلة من الشكوك والمقارنات. أما عن جانبهم العاطفيّ، فقد سيطرت النفس اللوّامة على شخصياتهم فلن ترى أحداً منهم يَأذي أو يَظلم، حتى أنهم حريصون كل الحِرص على أن لا يتفوهوا بأي عبارة قد يُساء فَهمها. أيضاً يقعون في الحب بسهولة، ويضخمون مخاوفهم خاصة تلك المتعلقة بالبشر وبردود أفعالهم، لذلك تميل شخصياتهم إلى العُزلة حتى لا تقع في حلقة مفرغة من التفسيرات والمخاوف. سيطرة النفس اللوّامة عليهم سرقت منهم الطمأنينة، أدخلتهم سجناً من صنعها. جعلتهم يتألمون نيابة عن كل المهمومين، مقلقةً مأمنهم حتى أصبح الليّل مفرّهم الوحيد.

لكن لماذا لا تساعد النصائح التقليدية والندوات التحفيزية المكتئبين؟ بما أن الاكتئاب منظومة متكاملة من الأفكار والمخاوف وردود الافعال التي تعدّت كونها أفكار حزينة وقلقة، فمن المُحال معالجة تلك المنظومة بمجموعة من النصائح اليتيمة والسطحية التي لا ترضي عُمق ذلك الشرخ داخلهم. فمن أبرز النصائح الموجهة للمكتئب بأن يلتزم بالصلاة والتسبيح والدعاء. لا شك أن هذه النصيحة صحيحة مئة بالمئة، لكن ما الفائدة من الصلاة بدون فهم معنى الإيمان، وكيف ندعوا ونحن جاهلون بمن ندعوه. فعادةً، يعاني المكتئبون من فتور في القيام بالعبادات، ويعود السبب في ذلك لغياب تسلية الفعل؛ أي بمعنى أنهم لا يحصلوا على الطمأنينة والراحة في صلواتهم. أما النصائح الأخرى فتتلخص بوجوب مقاومة تلك الأفكار والمشاعر السيئة بدون أي استراتيجية واضحة.

إذا ما الحل؟

يلجأ بعض الناس لتناول العقاقير الطبيّة التي بدورها تعمل على تحسين مؤقت للمزاج من خلال تحفيز إفراز السيروتونين. هذه العقاقير تواسي متناوليها بحيث تخفف من مدى كآابتهم بدون أن تكون الحل الجذري لهم. فبعد اعتياد الجسد على تلك العقاقير يرجع الاكتئاب بقوة أكبر وبأفكار أصعب مما فات.
أن على يقين تام، أن طبيعة أفكارنا التي تبنيناها طِوال حياتنا هي السبب في ما نحن عليه من كآبة، تلك الأفكار هي ليست نتيجة انخفاض السيروتونين بل هي السبب في انخفاضه. اتكلم هنا عن الأفكار على المستوى الشعوري واللاشعوري، فبعض الأفكار تعدت كونها فكرة ينشغل العقل في تحليلها بل أصبحت أسلوب حياة وجزء من شخصية المكتئب. سبق وأن ذكرت أن الاكتئاب هو عبارة عن منظومة متكاملة، فالحل هنا هو بناء منظومة جديدة من الأفعال والسلوكيات السليمة. واكتساب تلك المنظومة الجديدة لن يحصل في فترة وجيزة أو خلال ندوة تعليمية.

يقول جلال الدين الرومي: "مكابدتك لنفسك حرب لا نهاية لها". شفاؤك يبدأ بعدم مقاوتك للأفكار السوداوية ومشاعرك السيئة. فالظلمات مثلا لا تزول باللعنات بل بالنور -كما قالوا-. والكفر علاجه الإيمان، والنار تموت بالماء. اسمح لنفسك بأن تتبع تلك السوداويّة وأن تراقبها حتى تصل لذلك العمق الذي يناسبها.

لا تسمح لنفسك اللوّامة بأن تسيطر عليك، انظر كم مرة ذكرنا الله في كتابه أنه غفور رحيم، ذلك حتى لا يسمح جل جلاله بالخوف واللوم أن يتملكانك. ابحث عن سر الصلاة والعبادات في كتابات العالمين بالله، اقرأ عن أسرار العقل الباطن وعن قدرته على تغيير مسار حياتك، تعرف على سنن الله في هذه الكون، أقرأ لـ  "استر هيكس" و"جوزيف ميرفى" ولجلال الدين الرومي وستتعجب من مدى التشابه بينهم في محاولة تفسير قوانين هذه الحياة. بعدها ستترك نظرتك المادية للأحداث، وستبدأ رحلة طويلة محاولاً فَهم نفسك. ستعلم حينها ما هي وساوس الشيطان ولماذا يريدنا أن نخاف وأن نقلق. ولماذا يريد الله منا أن يكون خوفننا الوحيد هو الخوف منه؟ في هذه الرحلة، ستضع قدمك على عتبات الحِكمة.

سأختم مقالتي هذه مقتبساً مرة أخرى من الرّومي قوله "فلْينكَسر قلْبك مرَّةً تلوَ الأخرَى، وإلَّا فكيفَ لهُ أنْ ينفتِح". فعزيزي أيها المصاب، لا تفد الأمل بالله واعلم علم اليقين انك تمشي في طريق نهايته عظيمة، وللحديث بقية.