الأردن.. من تحرير الاقتصاد إلى رأسمالية المحسوبية

blogs الأردن

في المقالة السابقة المنشورة على مدونات الجزيرة، "لماذا أخفق المشروع الليبرالي في الأردن؟"، كنت قد وصلت إلى ما يفيد بأن النخبة التي تبنت المشروع الليبرالي في الأردن فشلت في كسب الرأي العام لصالح مشروعها ما أدى إلى بروز مشروع آخر متحد لها. تأتي هذه المقالة مكملة للمقالة السابقة، وتسعى لتسليط مزيد من الضوء على أسباب فشل المشروع الليبرالي في الأردن. وتستند هذه المقالة إلى أن صفات وسلوكيات ومكونات النخبة الليبرالية في الأردن ما هي دلائل على أن المشروع الليبرالي الأردني هو حبر على ورق، وأن جوهره هو مشروع لـ"رأسمالية المحسوبية" (Crony Capitalism) وهو ما أسهم إلى حد كبير في إفشاله في عيون جل الأردنيين.

ما قبل تولي نخبة المشروع الليبرالي المشهد السياسي في الأردن

في إحدى المقابلات المتلفزة، والمتداولة على وسائل التواصل، فسر الأمير الحسن بن طلال، ولي العهد في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال، فسر سبب إزاحته عن المشهد بأنه لم يكن فاسداً، وقال حرفياً: وضعوني على الرف لأن يدي نظيفة. ذلك المقطع الذي لا يتجاوز الدقيقتين يشي بالكثير عن سمات النخبة التي أزاحت الأمير الحسن بن طلال عن المشهد السياسي، وتولى جزء منها مشروع الليبرالية المزعوم منذ استلام الملك عبدالله حكم الأردن. يمكن الاستنباط من تعبير الأمير الحسن أن تلك النخبة لم تكن تريده لأنه لم يكن ليسمح لها أن تتجرأ على ما تجرأت عليه منذ عقدين من الزمن: الفساد وتسخير الدولة لصالح طغمة ما أو ما يسمى اصطلاحاً "رأسمالية المحسوبية".

في ضوء قانون الجرائم الإلكترونية، لا يمكن ذكر أسماء النخبة الليبرالية التي تدير المشهد السياسي في الأردن. وفي الحقيقة، من الظلم ذكر عدة أسماء لأن مكونات النخبة اختلفت عما كانت عليه في عهد الراحل الحسين بن طلال

استطاع الراحل الحسين بن طلال أن يحتوي كل النخب ويخضعها ضمن رؤيته ومشروعه. وكانت كل العائلات الثرية، أو الأرستوقراطية إن صح التعبير، تحب عباءة الحسين بن طلال. حتى المفكرين المختلفين معه استطاع أن يحيدهم ويجعلهم بشكل أو بآخر في خدمة مشروعه ورؤيته. لكن الوضع كان أسهل بكثير قبل تسعينيات القرن المنصرم. فمكونات النخبة كانت واضحة المعالم: أعمال تجارية عائلية ضمن شركات مقفلة، وعائلات تتسم بالثراء، تتزاوج فيما بينها، وتتواصل اجتماعياً في نوادٍ ومقاهٍ معينة، وتتلاقى نساؤهم في أماكن معينة، ويدرس أبناؤهم في مدارس معينة، ويتلقون تعليمهم العالي في بريطانيا أو أمريكا. كل الصفات السابقة كانت تجعل من احتواء النخبة أمراً يسيراً، ببساطة لأنها واضحة المعالم. والأمر الأهم، أن تلك النخبة لم تكن لتتجرأ على اختراق مؤسسات الدولة أو التأثير على قراراتها دون علم أو موافقة الحسين بن طلال. فما هي مكونات النخبة الليبرالية في الأردن وكيف تحرك أدواتها لتدير الدولة من وراء الستار؟

مكونات النخبة صاحبة المشروع الليبرالي

في ضوء قانون الجرائم الإلكترونية، لا يمكن ذكر أسماء النخبة الليبرالية التي تدير المشهد السياسي في الأردن. وفي الحقيقة، من الظلم ذكر عدة أسماء لأن مكونات النخبة اختلفت عما كانت عليه في عهد الراحل الحسين بن طلال. لقد أسهمت "الليبرالية الاقتصادية" التي طبقتها النخبة الليبرالية، ديكتاتورياً مع الأسف، إلى صعود أعداد من الطبقة المتوسطة إلى طبقة النخبة. ويعود السبب في ذلك إلى أن تحول الشركات إلى شركات عامة مدرجة. وهذا النموذج لم يعد يتطلب إدارة الأعمال من قبل الملاك، بل يحتاج إلى تنفيذيين ومختصين قانونيين وماليين. هؤلاء صعدوا إلى طبقة النخبة بحكم تعليمهم وخبراتهم وذكائهم، وسمح لهم أن يكونوا ضمن الطبقة الاجتماعية للنخبة في نواديها ولقاءاتها، بل وسمح لهم أن يتزاوجوا مع تلك النخبة.

وهنا يمكننا القول أنه من أهم سمات النخبة الليبرالية في الأردن أنها لم تعد، كما كانت النخبة عليه من قبل، نخبة لعائلات أرستوقراطية، وإن كان بعض أفراد تلك العائلات لا يزالون يتواجدون في النخبة. بل إن النخبة الليبرالية التي تروج لرأسمالية الشركات المدرجة أصبحت تحارب المشاريع العائلية الثرية القديمة لأنها تريدها أن تكون مدرجة في سوق الأسهم للتمكن من السيطرة عليها، في حين أن الكثير من أصحاب تلك المشاريع الذين رفضوا الإدراج في سوق الأسهم يعلنون إفلاسهم تباعاً، أو نقل أملاكهم ومشاريعهم خارج الأردن.

يمكن تحديد النخبة الليبرالية في الأردن من خلال مجالس إدارات الشركات التي أثريت بعد الخصخصة ومعرفة أسماء أعضائها، ثم العمل على مقاطعتها مع مجالس إدارات كل الشركات التي هي محل شبهة إثراء غير طبيعيي، أو الشركات التي تمتلك الشركات المشبوهة حصة الأغلبية فيها. شبكة الأسماء التي ستنتج، ستعطي فكرة كبيرة عن مكونات النخبة الليبرالية في الأردن. ومن ناحية أخرى، فإن هناك العديد من الأسماء التي أصبحت ضمن مجالس الوزراء في الأردن مع أن تلك الأسماء خارج نطاق الطبقة النخبوية التاريخية التي كان يستعين بها الملك الحسين بن طلال.

النخبة الليبرالية في الحكومات

مع الأسف، هناك من يفسر تواجد بعض الأسماء على أنه إقحام للمكون الفلسطيني ضمن منظومة الحكم في الأردن. وهذا الرأي سطحي وعنصري إلى أبعد حد، ولسببين: أولها أن المكون الفلسطيني في الأردن أصبح أردنياً مع تقادم الزمن. وثانيها، أن الأسماء، سواء كانت أردنية أو فلسطينية، التي تقحم في منظومة الحكم ما هي إلا أسماء من الصاعدين التنفيذيين إلى النخبة النيوليبرالية. في تعليق على حكومة الرزاز الأولى عنون موقع "خبرني" الأردني: "البنك الأهلي في حكومة الرزاز". وعندها كان هناك الرزاز ونائبه واثنين من الوزراء أعضاء سابقين في مجلس إدارة البنك الأهلي الأردني. هذا المشهد، والعهدة على موقع "خبرني" الذي أكده، يشي بالكثير من طبيعة تداخل القطاع الخاص النيوليبرالي في منظومة الحكم، وهنا نترك الحكم لرأي القارئ الواع ليتعرف على مزيد من مؤسسات القطاع الخاص التي استطاعت أن تدخل في منظومة الحكم.

الشارع الأردني والإطاحة بحكومة الملقي.. من المستفيد؟

خرج الشارع الأردني في رمضان/حزيران عام ٢٠١٨ وبأعداد غفيرة إلى الدوار الرابع. واستمر الحشد لأيام حتى أسفر عن استقالة حكومة الملقي. كان السبب الرئيس للحشد هو قانون الضريبة الذي كان سيفرض ضرائب أكثر على البنوك وشركات الاتصالات والمواطنين أيضاً. تحرك الشارع لأيام، وبحماية قوات الدرك، وزيارة ولي العهد للدرك للاطمئنان عليهم في إشارة إلى تأييد ضمني من القصر لحشد الشارع. المحصلة، استقالت حكومة الملقي وتم سحب مشروع الضريبة وتولت حكومة الرزاز التي أقرت قانون ضريبة بديل، لكنه لا يضر بمصالح البنوك وشركات الاتصالات! ومن بعدها لم يسمح لأي تجمع للشارع الأردني أن يستمر أو أن يكبر. والغريب أن شركات الاتصالات التي سهلت بث المظاهرات ضد حكومة الرزاز هي نفسها التي عطلت الإنترنت أو البث في أي تجمعات غيرها! بل إن الحراكي السابق، وزير الاتصالات، خرج أكثر من مرة ليبرر قطع الانترنت عن المتظاهرين بأنه خلل تقني غير مقصود!

تقرير تقييم التخاصية وعشرات شبهات الفساد، وسلبية الدولة في المحاسبة

أثبت تقرير تقييم التخاصية الذي أعده الدكتور عمر الرزاز أن هناك عشرات من شبهات الفساد رافقت عملية الخصخصة في الأردن. فمنها، على سبيل المثال، ما هو بيع لشركات تملكها الدولة مباشرة لطرف واحد دون الإعلان عن استدراج عروض ثم البيع للسعر الأعلى، ومنها عدم التقييم المالي الصحيح للأسعار، ومنها العبث في التقييم المالي مع عدم الأخذ بعين الاعتبار الثروة في باطن الأرض التي تمتلكها الدولة. السؤال المهم الآن: لو تفحصنا ممتلكات أولئك الذي كانوا مسؤولين عن الخصخصة في الأردن، ولو قارنا ملكياتهم في أسهم الشركات المدرجة، لحددنا أسماءهم وعرفنا قدر ممتلكاتهم، فلماذا تتأخر محاسبتهم، بل ويتم تجاهل مطالبات الشارع في محاسبتهم؟ ولماذا تعمل الأغلبية في مجالس النواب على إحباط أي محاولة لمحاسبة الفساد؟ ولماذا تمنع الدولة، بالقانون المخيط على قيافة المتنفعين، الكلام عن أي من الفساد المرتبط بأسماء بعينها؟ هذا كله يدلل على تغليل النخبة الفاسدة في السلطة.

الخلاصة

لم يكن المشروع الليبرالي في الأردن مشروعاً حقيقياً، بل هو في جوهره مشروع "رأسمالية المحسوبية" التي يتزاوج فيها المال مع السلطة، وما قانون الجرائم الإلكترونية الذي يعيق الأفراد من تداول وثائق تدين الفساد والفسادين إلا من المؤشرات على هذا التزاوج. ولا يمكن للدولة أن تسترد هيبتها في عين الشارع الأردني إلا باستعادة نفسها من تلك الطغمة التي تدعي الليبرالية. ثم إن الليبرالية بحد ذاتها لا تتناسب مع عادات وتقاليد وقيم ومبادئ الأردنيين الذين يرون في الهاشميين رمزاً دينياً بحكم أنهم من نسل المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولو افترضنا أن الدولة تصر على الليبرالية، فعليها أن تطبقها غير منقوصة وتعطي المواطنين كامل حقوقهم، وتحاسب كل من تسبب في نهب الاقتصاد الوطني.