شعار قسم مدونات

حين لا تجد من يفهمك!

BLOGS تفكير

قد يكون طابعنا الاجتماعي المشكوك في أمره سببا في تلك الرغبة التي تدفعنا لنبحث في الآخرين عما نفقده في أنفسنا، وقد نجد فيهم ذلك، لكن ذلك لا يبرر هذه الحاجة للآخرين، نحن في غنى عن أن يحققوا لنا ما فشلنا فيه، إذا لم نحقق ذواتنا بأنفسنا، فلا معنى أن ننتظر تدخل الآخرين لهذه الغاية، قد يفهومننا، لكن الواقع يستبعد إمكانية حصول هذا التفاهم الذي يمكن أن يسعفنا في تلبيتهم لنداء جانبنا الاجتماعي، لعل هذا الجانب يعكر مزاج عزلتنا، والتي لا نجد فيها بديلا من معانقة أنفسنا، أما الآخرون، فقد وَجَدنا أنهم وُجدوا لكي يدمروا علاقتنا بذواتنا، وليس ليرمموا ما كنا نتوقعه منهم، أو لعل هذه المرحلة من تطور الإنسانية دفعتنا لكي نبحث عن أنفسنا بعيدا عن الآخرين أكثر، وأن نحتوي ذواتنا قدر الإمكان، نخطئ عندما نعتقد أن الآخرين سيلبون نداء احتياجاتنا، ونخطئ عندما نلوذ إليهم بكل غباء، إذا لم نجد ما نبحث عنه بدواخلنا فلن يضيف لنا الآخرون سوى المزيد من الابتعاد عن الذات.

 

لا أحد قد يفهم ما يدور في أعماقك، ولا أحد قد يسعف مكامن ضعفك، قد يشفق عليك الآخرون، وقد يُبدون تآزرهم، وقد يتضامنون معك، لكن ما تعتقد أنك قد تناله منهم مجرد وهم تكذب به على نفسك، لأنك أنت الوحيد الذي يمكن أن يرمم جراحك، وأنت من يمكنه أن يجد نقاط قوتك، الآخرون لن يغيروا شيئا من أحزانك، إذا لم يضاعفوا حدتها، فلا تنتظر العكس، حكايتك تسير بعيدا عنهم، أنت من يحقق ما تريد، ثم إننا لا نحتاج فقط لمن يؤنس وحدتنا، ويقوي ضعفنا وينمي انهيارنا، نحتاج لمن يفهم أعماقنا، ومن يفهم صمتنا وأحزاننا، وهذا أمر مستبعد، لأننا ولدنا أفراد، وسنظل كذلك، وما ننتظره من الآخرين مجرد أكذوبة نتوهم بها وننتظر منها شفقة الآخرين بكل غباء، ولهذا لم يكن يسيرا أن يصير المرء قادرا على الانصات لأعماقه، وأن يبحث لنفسه عن نفسه، وأن يتعلم كيف يكتفي بنفسه.

 

لم يعلمنا أحد معنى الحب، ولم نتعلم أن نحب ذواتنا بكل ما تنطوي عليه من عيوب وطاقات، لم نتعلم أن نتصالح مع حقيقتنا المريرة، وأن نتقبلها، ولم نتعلم أن نبحث عن الحب في أعماقنا بدل البحث عنه لدى الآخرين

قد يبدو الطريق إلى ذواتنا طويلا، لكننا لن نسلك هذا الطريق ما دمنا لم نتخلص من الطريق الذي اعتدنا أن نسلكه نحو الآخرين، ينبغي أن نعود إلى ذواتنا بكل انعتاق، وأن نتحرر ما أمكن مما يدفعنا لنطلب الآخرين، الذات هي الأصل وهي الغاية، لن نحقق ذواتنا ما لم نتعلم أن نؤمن بها، ما لم نتعلم أن لا ننتظر من الآخرين ما هو موجود في أعماقنا، هذا الانتظار مجرد سراب اعتقدنا بغباء أنه سينقذنا من وحدتنا وعزلتنا، لم تكن العزلة يوما مرضا لمن أراد العودة لذاته، وهي كذلك لمن لم يدرك أن يجد ذاته وسط الآخرين دون اللجوء إليهم، لعلها وطن للأرواح المتعبة، تلك التي لم تجد في الآخرين غير المزيد من الألم، نحتاج أن ننظر في أعماقنا لنكتشف مدى ما نخبئه من قوة، ولنتمكن من استثمار هذه الطاقة في تحقيق ذواتنا والإيمان بها، بعيدا عن كل تلك التفاهات التي تبرر حاجاتنا للآخرين.

 

يبدو أن نتشه كان محقا لما قال: "يجب على الإنسان أن يتعلم أن يحب نفسه بشكل كاف وصحي حتى يستطيع أن يتحمل أن يكون مع نفسه من غير الحاجة للهروب". فما دمنا لم نتعلم أن نحب ذواتنا بقوة، فإننا لن نجد هذا الحب لدى الآخرين، أن تحب ذاتك هو نوع المصالحة مع الذات، هو نوع من تقبل الذات بكل ما فيها، هذا الحب كفيل بأن يدفعنا للوثوق بأنفسنا، وبأن نكتفي بأنفسنا، ولن تعود الحاجة للآخرين مطلبا ضروريا، نحن نحتاج للآخرين فقط عندما لا نحب ذواتنا، لكي يملأوا ما فقدناه في ذواتنا، نحن نحتاج إليهم عندما نفقد الثقة في أنفسنا، وهذه أمور لا تليق بالإنسان كفرد أصبح من الضروري أن يكتفي بنفسه، وأن لا يضطر بإلحاح إلى البحث عن الآخرين، لقد بات ضروريا أن يعود المرء إلى الصواب، والصواب هو أن يعيد اكتشاف ذاته، وأن يحررها من تلك الرغبة التي تلح في طلب الآخرين، وأن يعقد تصالحا طويلا معها، حتى يحب ذاته كما ينبغي.

 

لم يعلمنا أحد معنى الحب، ولم نتعلم أن نحب ذواتنا بكل ما تنطوي عليه من عيوب وطاقات، لم نتعلم أن نتصالح مع حقيقتنا المريرة، وأن نتقبلها، ولم نتعلم أن نبحث عن الحب في أعماقنا بدل البحث عنه لدى الآخرين، لم يكن صائبا أن نتنازل عن ذواتنا من أجل الآخرين، ولم يكن صائبا ما ارتكبناه في حق أنفسنا لما تظاهرنا بحب مزيف تجاه ذواتنا، نعلن من خلاله للآخرين أننا متصالحين مع حقيقتنا، والحقيقة أننا نفعل ذلك إرضاء للآخرين فقط، لم يكن من الحكمة أن نفعل ذلك، وأن نعذب ذواتنا بتحميلها ما لا تستطيع، وكان من الحكمة لو تصالحنا مع ذواتنا، وأحببنا أنفسنا وتقبلناها دون الاكتراث لما قد يظنه الآخرون بخصوصنا، لم نتعلم أن نمارس حياتنا بعيدا عنهم.