استحقاق السلطة في ماليزيا.. عندما تعجز لغة الأرقام عن الحسم

يتمحور السؤال الكبير في ماليزيا حول شخصية رئيس الوزراء الثامن، ومتى يستلم السلطة، وبالنظر إلى الاتفاق الموقع في كانون ثاني / يناير عام 2018 بين قوى (تحالف الأمل) الحاكم حاليا فإن أنور إبراهيم كان المرشح الوحيد لخلافة مهاتير محمد غداة انتخابات التاسع من مايو/ أيار من العام الماضي التي فاز فيها التحالف.

  

ورغم كثرة المشككين بمدى التزام مهاتير محمد بالاتفاق المبرم، فقد كرر تعهده بالوفاء بالوعد، لكنه لم يفصح عن وقت التسليم والاستلام، وأخيرا قال صراحة إن من سيخلفه هو أنور وليس منافسه وزير الاقتصاد أزمين علي على رئاسة حزب عدالة الشعب، أما أنور إبراهيم رئيس الوزراء المنتظر كما يصفه كثيرون، فقد أقر بحق أزمين علي في الحلم برئاسة الوزراء، لكن أردف أن الدستور ينص على أن من يحظ بثقة البرلمان هو من يكلف بالمنصب.

  

ميزان القوى

لقد احتكر حزب المنظمة الملايوية القومية المتحدة (أمنو) منصب رئاسة الوزراء منذ استقلال ماليزيا عام 1957 حتى رحيله عن السلطة عام 2018، وذلك لأنه كان دائما يمتلك أكبر كتلة برلمانية بين تحالف "الجبهة الوطنية"، وهو أمر متصور بلغة الأرقام في الأنظمة البرلمانية للحكم، أما في حكومة تحالف الأمل فإن الأمر بدا مختلفا عن العرف الماليزي والنظام البرلماني، حيث تسلم مهاتير رئيس "حزب برِبومي برساتو" – والذي يعني حزب أبناء الأرض الموحد – رئاسة الحكومة رغم أن حصته في البرلمان 13 مقعدا فقط من بين 222 هي مجموع مقاعد البرلمان.

 

وتوزعت حصص أحزاب التحالف الفائز في يوم إعلان النتائج كالآتي: 47 مقعدا لحزب عدالة الشعب بقيادة عزيزة إسماعيل زوجة أنور إبراهيم، و 42 مقعدا لحزب العمل الديمقراطي الذي يهيمن عليه ذوو الأصول الصينية، و11 مقعدا لحزب الأمانة الوطنية، إضافة إلى 13 مقعدا لحزب مهاتير "بربومي برساتو". وفرضت هذه المعادلة ما أطلق عليه مراقبون "سياسة الضرورة" نظرا لأن رئيس الحزب الأكبر كان معتقلا، ويتطلب الأمر تأهيله بعفو ملكي، ثم الوصول إلى عضوية البرلمان بحسب ما ينص عليه الدستور.

   

  

أما أحزاب المعارضة الرئيسية فحصل حزب أمنو على 54 مقعدا والحزب الإسلامي (باس) على 18 مقعدا، بالإضافة إلى أحزاب محلية – أبرزها تحالف أحزاب ولاية سراواك (غوبنغان) والتراث (واريسان) في ولاية صباح – وهي محسوبة تقليدينا على الحكومة المركزية بغض النظر عن المهيمن عليها.

 

اختلاف الموازين

لا يبدو أن " سياسة الضرورة" ما زالت قائمة بعد عام ونصف من الانتخابات الرابعة عشرة، فرئيس حزب عدالة الشعب (الحزب الأكبر) لم يعد في السجن وحصل على عضوية البرلمان، بما يؤهله تقلد منصب رئيس الوزراء، لكن في الوقت نفسه تبدلت موازين القوى في البرلمان، فقد استقطب حزب مهاتير 13 عضوا من أحزاب المعارضة، ليصبح مجموع كتلته البرلمانية 26 مقعدا، ويعتقد أنه استمال الاحزاب الرئيسية في ولايتي صباح وسارواك التي تضم 27 مقعدا، والمتغير الآخر هو ظهور منافس حقيقي لأنور إبراهيم من داخل حزبه، متمثل بنائبه وزير الاقتصاد أزمين علي، الطامح لرئاسة الوزراء والمعروف بقربه من مهاتير محمد، وتقدر مجموعته من أعضاء الحزب في البرلمان ما بين 10 إلى 20 عضوا.

 

النتيجة

أنور إبراهيم جاهز من حيث الأهلية الدستورية ويملك أكبر عدد مقاعد في البرلمان، ويرى أن عام 2020 هو عام استلامه للسلطة من مهاتير بناء على الاتفاق المسبق للانتخابات، وبقي خلاف المراقبين مُنصَب على مدى قدرة الحسابات الرقمية وحدها على حسم الصراع حول رئاسة الوزراء، فقد حافظ أكبر حزبين على قوتهما البرلمانية وهما حزب أنور إبراهيم وحليفه التقليدي العمل الديمقراطي بمجموع مقاعد تزيد عن تسعين مقعدا، ويمكن القول إن الكتل البرلمانية بمجموعها (المعارضة والمؤيدة للحكومة) منقسمة إلى ثلاثة أقسام: واحدة تدعم استمرار مهاتير في السلطة حتى نهاية فترة الحكومة الحالية وهي خمس سنوات (حتى عام 2013)، وأخرى تطالبه بالالتزام بالاستحقاق المتفق عليه ونقل السلطة إلى أنوار إبراهيم، وثالثة تفضل الانتظار حتى ترى نهاية السباق.

 

وقد تكون المفارقة بأن يكون الحسم بيد المعارضة والأحزاب المنتظرة أو المحايدة في القسم الشرقي لماليزيا (ولايتي صباح وساراواك)، وليس أحزاب تحالف الأمل الحاكم، فالحزب الإسلامي حسم موقفه بتأييد استمرار مهاتير، وهناك تجييش داخل حزب أمنو يقوده وزير الدفاع السابق هشام الدين حسين لمنع وصول أنور إلى السلطة، المبرر الذي يسوقه من يؤيدون استمرار مهاتير في السلطة بأنه غير ملزم دستوريا بالاستقالة أو التنازل، أم حجة من يطالبونه بتسليم العهدة فهو الاتفاق على نقل السلطة لأنور بعد عامين من الانتخابات تقريبا. 

  

أما لماذا لم يحدد أكبر الحكام في العالم عمرا (94 عاما) موعدا لتسليمه السلطة رغم تأكيد التزامه بالاتفاق الذي يفضي لذلك، فالتحليلات كثيرة قد يكون أكثرها منطقا هو خشيته من أن يتحول إلى بطة عرجاء في الفترة المتبقية من حكمه، أما إذا فشل نقل السلطة فإن المجال مفتوح لسيناريوهات كثيرة، كلها ليست في صالح أي من أعضاء التحالف الحاكم حاليا، ولذلك كثرت تحذيرات ساسته في الآونة الأخيرة من الفشل مع تزايد التراشق العلني بين أركان تحالف الأمل. 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة