شعار قسم مدونات

عندما بكى نيتشه.. رواية تجمع بين الفلسفة وعلم النفس

blogs عندما بكى نيتشه

لم تكن الفلسفة الأوروبية بمعزل عن الفلسفات الأخرى، كالفلسفة الألمانية، التي ناقشت العديد من القضايا الوجودية، وعندما نتناول الفلسفة الأوروبية فإنه يتبادر إلى الذهن صاحب الفلسفة الألمانية فريدريك نيتشه. الذي أصبحت أفكاره محط اهتمام القراء في العصر الحديث. ان وصف شخصيات حقيقية ووضعها ضمن أحداث جزء منها واقعي والجزء الآخر خيالي، تعطي الرواية بعداً زمانياً ومكانياً، وهذا ما عمل عليه الكاتب والطبيب النفسي الأمريكي إرفين د. يالوم في روايته عندما بكى نيتشه التي تقع أحداثها في سنة الثمانينيات، والصادرة عن منشورات الجمل طبعة أولى عام ٢٠١٥. تدور أحداث الرواية في مدينة فيينا وتتخذ من الشخصيات الحقيقية كنيتشه وفرويد ولوسالومي والطبيب جوزيف بريوير وغيرها، جزءاً لا يتجزء من أحداث الرواية.

 

نعود لمضمون الرواية حيث تتمثل بدايتها برسالة وقحة على حد تعبير الطبيب بريوير من الفتاة الروسية لوسالومي تتمحور حول مستقبل الفلسفة الألمانية، بعد ذلك يتقابل الطبيب بريوير مع لوسالومي وتطلب منه معالجة الفيلسوف نيتشه من اليأس وأيضاً داء الشقيقة، فهي تريد لنيتشه العدول عن رغبته في الانتحار كونها طرفا أساسيا في اصابته بالاكتئاب. يوافق الطبيب على معالجة نيتشه لشدة افتتانه بجمال لوسالمي، لكن بقي عليها أن تقنع نيتشه بذلك عن طريق صديقه ريتشارد فاغنر، لأن لنيتشه آراء قوية عن الضعف والقوة ساهمت في صعوبة اقناعه بالعلاج. بعد فترة يبدأ علاج نيتشه مع الطبيب بريوير يتخلله مناقشة مواضيع عديدة كالموت والإله والشيخوخة والخوف من سن الأربعين والزواج والفضائل كالإخلاص والواجب والأخلاق وفكرة التكرار الأبدي والحرية ومواضيع فلسفية مختلفة كان لها النصيب الأكبر في الرواية.

 

تسير أحداث الرواية ببطء وخاصة الجزء المتعلق بعلاج نيتشه وتحديدا العلاج بالتنويم المغناطيسي لأنه على حد تعبيره الهدف منه السيطرة علی الآخرين، وخلال الأحداث يكتشف الطبيب أنه هو الآخر يعاني من ألم نفسي، فيأخذنا الكاتب في رحلة لتحليل النفس البشرية ومكنوناتها مع عدم فقدانها لعنصر التشويق في بعض فصولها ويصاحبنا في هذه الرحلة مؤسس علم التحليل النفسي فرويد ففي كل مرحلة من مراحل العلاج يلجأ الطبيب إلى استشارة فرويد كخبير في التحليل النفسي، ومستفيداً من تجاربه في تفسير أحلام المرضى.

  undefined

  

تغيب لوسالومي في بداية الرواية ثم تظهر فجأة وتحاول من الطبيب معرفة صحة نيتشه فيرفض طلبها، متعللاً بواجبه الطبي في حفظ أسرار مرضاه. فدافعه الحقيقي هذه المرة اعجابه بإسلوب نيتشه في ربط الأفكار مع أحلامه، يتفاجئ القارئ في الرواية من طريقة نيتشه والطبيب في العلاج أي التبادل المهني في الأدوار. هدف هذا التبادل العدول عن قرار نيتشه بإنهاء العلاج عند الطبيب. مع العلم أن نيتشه ذهب إلى أكثر من طبيب لتلقي العلاج لكن دون فائدة. هذا ما تحدثت عنه الرواية بإيجاز وأترك للقارئ لحظات التشويق في الأحداث كي لا أفقده متعة قراءتها.

 

للوهلة الأولى يبدو عنوان الرواية للقارئ عندما بكى نيتشه أنه يحمل مضمون ملئ بالحزن، لكن يتفاجئ القارئ أن عنوان الرواية هو مختلف كلياً عن مضمونها، فهي كما أوضحت تحدثت عن الفلسفة وعلم النفس، انطلاقاً من رغبة زوجة الكاتب في وضع عنوانها، فكما نعلم أفكار نيتشه عن الحياة وما بعدها هي أفكار عدمية أي عندما نقرأ له نرى القوة والحزم والجرأة في تلك الأفكار، توحي بأن هذا الفيلسوف الذي كتب أفكاره على الورق هو أيضاً إنسان خلق من لحم ودم فهو يبكي كما نبكي، لكن اقحام عنوان كهذا مع مضمون فلسفي يعرضها للتناقض. كما أن نيتشه لم يبكي في الرواية إلا مرة واحدة.

    

صور الكاتب ردة فعل نيتشه تجاه إصابته بداء الشقيقة واليأس وما يصاحبه من أعراض فعندما تفاجؤه النوبة يعاني من الألم الجسدي، لكن عندما تنتهي الأعراض بشعر نيتشه بالقوة وبمخاض عقلي

أما فيما يتعلق بكتابات نيتشه عن المرأة فهي مليئة بالسخط، والسبب تعرضه للخيانة من لوسالومي بفعل بول وشقيقته، فهي من أثرت على صداقة ثلاثتهم بشكل سلبي، حيث وصف لوسالومي بالمفترسة والماكرة، حسب ما أورد الكاتب في رسائل نيتشه لها، وهنا يظهر خطأ نيتشه وهو التعميم أي أنه اعتبر لوسالومي خائنة وعممها على جميع النساء، وهذا يبين سبب عدم ارتباطه ورفضه الجنس الآخر واعتبار الزواج قيد، أما الجنس فهو غريزة حيوانية ويجب على الإنسان أن يترفع عنها لأنها العدو اللدود للجزء العالي من الإنسان. وهي شكل من أشكال حب الذات. تعقيباً على آرائه: الغريزة الحيوانية انطلقت من وجهة نظر داروينية. فكيف يمكن إلغاء الشهوة التي هي جزء من بقاء الجنس البشري؟! إذن تجربة واحدة لامرأة واحدة فائقة الجمال كلوسالومي لا تعني بالضرورة خيانة المرأة للرجل، فتجربة نيتشه فردية ناتجة عن أسباب ودوافع متعلقة بأفكار لو سالومي عن الزواج حيث وصفته بالعبودية والتملك، وهذا أيضا سبب من أسباب رفضها الارتباط بنيتشه بعد عرضه الزواج منها.

   

التشابه في الأحداث بين شخصية نيتشه والطبيب بريوير فالطبيب عالج مريضته بالهستيريا بيرثا واشتهاها بعقله، أي في أحلامه وظلت تراوده أفكار جنسية عنها، فغيرة زوجته ماتيلد من بيرثا دفعته إلى تحويلها إلى طبيب آخر، إلا أن شخصية بيرثا ظلت تراوده في أحلامه، وكان ذلك سبب لإصابته بألم نفسي. أما نيتشه فلم تربطه بلوسالومي إلا علاقة عفيفة لكن خيانتها مع صديقه بول أدى إلى نقمته عليها، أما التشابه في الأحداث فكانت من ناحية طريقة لوسالومي مع الطبيب ونيتشه ظهر ذلك في جرأتها الكلامية وحضورها الأنثوي، وخلال تلك الأحداث ظهرت حنكة الكاتب لأنه من خلال هذا الاسلوب تسلسلت الأحداث وتشابهت الأدوار، ليتوصل الطبيب في النهاية إلى طريقة علاج ناجعة وهي العلاج بالكلام وطريقة كنس المدخنة أي بمعني تفريغ جميع الأفكار السلبية بهدف التخلص منها. وهدف الطبيب بهذا الأسلوب إلى استثارة نيتشه بالحديث عن نفسه للوصول إلى طريقة لعلاجه.

 

عرج الكاتب على فكرة هل الإنسان مخير أم مسير؟ وربط ذلك بمقولة نيتشه "إصنع قدرك" ليبين خطأ فلسفة نيتشه من خلال عودة الطبيب أثناء رحلة العلاج إلى فكرة الاختيار والقدر، وذلك بقلب حياته رأساً على عقب وتغيير حظه، ليتفاجئ القارئ أن ذلك هو مجرد حلم عاشه الطبيب نتيجة دخوله الغيبوبة لتطبيق فكرة نيتشه المجردة عملياً، لذلك يفشل الطبيب في التجربة، انطلاقا من واجبه الاجتماعي والمهني. وهنا أراد الكاتب إيصال فكرة جميلة، مفادها أن بعض الأفكار مجردة ولا يمكن تطبيقها عملياً لأن نيتشه عندما طرح هذه الفكرة طبقها على نفسه، لكن تطبيقها على الطبيب سيحمل معه ثقل سنين تسابقت لتعطي حياته المهنية والاجتماعية ما صنعه له القدر، أما نيتشه فهو فيلسوف لم تربطه التزامات تجاه الآخرين بحكم إنطوائيته فهو ترك الجامعة التي كان يعمل مدرساً فيها وأيضا أمه وأخته وأصدقاءه. أورد هذا المثال ليبين الفرق بين أن تصنع قدرك أو تحب قدرك. ولفت إلى اختلاف طرق العلاج النفسي من إنسان لآخر، وظهر ذلك أيضاً عندما ألح نيتشه على الطبيب بتوضيح طريقة تخلصه من بيرثا على الرغم من لعبه دور الطبيب إلا أن الغيبوبة جعلت الطبيب يتخيل أحداث يصنعها عقلة اللاواعي. دون الحاجة إلى إملاءات من نيتشه، فكل إنسان له طرقه الخاصة في التخلص من أثقال راكمتها السنين.

 

صور الكاتب ردة فعل نيتشه تجاه إصابته بداء الشقيقة واليأس وما يصاحبه من أعراض فعندما تفاجؤه النوبة يعاني من الألم الجسدي، لكن عندما تنتهي الأعراض بشعر نيتشه بالقوة وبمخاض عقلي، أي أن أفكاره تنسل من قلمه الواحدة تدفع الأخرى وهدف الكاتب من ذلك ايضاح أسباب الإجهاد، وتحديداً الفلاسفة كونه سبب في عدم الراحة والاكتئاب، عندما بكى نيتشه هي رواية تجمع بين علم النفس والفلسفة وخاصة فلسفة نيتشه العدمية، المتمثلة بالإله والموت والوجود والأخلاق والدين والإيمان، وما رافقها من تفسيرات نفسية لشخصية الطبيب بريوير وحنكة الكاتب في الربط بين أحداث تكررت مع الشخصيتين. عند قراءتها فأنت بحاجة إلى التروي، لأنها مليئة بالكثير من المنعطفات تجعلك تتوقف لتمعن التفكير في كل حدث من أحداثها وكأنك المحلل النفسي والفيلسوف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.