الفيروسات سلاح جديد ضد البكتيريا الخارقة

blogs أبحاث طبية

كانت ممددة على الفراش في غيبوبتها وعشرات الخراطيم والأسلاك المرتبطة بأجهزة العناية الفائقة تخرج من جسدها الرقيق، بينما خيم الوجوم على الأطباء الخمسة المحيطين بها، ولم يتخلل ذلك السكون، إلا أزيز تلك الأجهزة والنغمة الرتيبة لمراقب دقات القلب، الدليل الوحيد على أن ثمة حياة ما زالت تدب في هذا الجسد، قطع الصمت صوت طبيبة الأطفال "هيلين سبنسر" وهي تتصفح أوراق وفحوصات المريضة قائلة في توتّر: "ماذا عن الكلوفازيمين وديباكويلين؟ هل حققا أي تحسن؟"

 

أجابت إحدى الطبيبات: "لا شيء يذكر.. لقد جربنا إلى الآن 26 مضادا حيويا، ولم تتأثر هذه البكتيريا اللعينة، وكأننا نعطيها الحلوى". علقت "سبنسر" الأوراق في مقدمة الفراش، وهي تنظر في أسى إلى الطفلة " إيزابيل هولدواي" (14 عاما) التي بهت لونها حتى صار كلون حائط الغرفة: "لا بد من أن نفعل شيئا، العدوى امتدت إلى أطرافها وندوب العملية الجراحية، بل وحتى إلى الكبد الذي ارتفعت أنزيماته بشكل جنوني.. إن أيامها معدودة"، فردت طبيبة أخرى: "هذه البكتيريا خارقة، ومقاومة لجميع المضادات، كما أن أدوية تثبيط المناعة التي تلقتها قبل عملية الزرع، قد زادت الطين بلة". هنا تنحنح الطبيب "جيمس سوثيل" قائلا بنبرة بطيئة وهو يضغط على حروف كلماته: "ثمة أمل أخير لكنه غير تقليدي.. إنها البكتيريوفاج!!"

 

عزيزي القارئ.. قبل أن نعرف ما هي البكتيريوفاج لنعد بالزمن إلى 8 سنوات قبل هذا الحوار.. وتحديدا عام 2010 حيث كانت "ليلي هولست" الطالبة في جامعة "كوازولو- ناتال" بجنوب إفريقيا تحفر التراب تحت نبتة باذنجان متعفنة، بحثا عن أنواع جديدة من البكتيريوفاج.

  

البكتيريا الخارقة كابوس يقضّ مضاجع العلماء، ويثير هلع الأطباء ومنظمة الصحة العالمية، التي أعلنت عام 2013 أن مقاومة المضادات تهديد للأمن الصحي العالمي

البكتيريوفاج.. هي فيروسات متناهية الصغر، شكلها يشبه مركبة أبولو الفضائية التي حطت بأول رجل على القمر عام 1969، لكنها فيروسات شديدة التخصص، فهي لا تضر خلايا الإنسان أو الحيوان، بل تهاجم الخلايا البكتيرية فقط وتحقن حمضها النووي داخل الخلية وتجندها لصناعة عشرات النسخ من البكتيريوفاج، التي تتحرر من البكتيريا مسببة تمزقها وبالتالي موتها.

 

كان حظ "هولست" حسنا، فوجدت في التربة 3 أنواع جديدة من البكتيروفاج تصيب بكتيريا Mycobacterium smegmatis، وأطلقت على الفيروسات الثلاثة أسماء لطيفة هي "ليفي"، "ليكسي" و"مادي" ولم يخطر في بال الطالبة وهي في قمة سعادتها بهذا الكشف أن إحدى هذه البكتيريوفاج ستكون سببا في إنقاذ حياة طفلة بريطانية في قارة أخرى بعد 8 سنوات، البكتيريوفاج الثلاث وجدت طريقها إلى عالم الفيروسات بجامعة بتسبيرغ الأمريكية "جراهام هاتفول"، الذي احتفظ بها ضمن تشكيلته من 10 آلاف بكتيريوفاج، وظلت مخزنة في ثلاجته حتى أواخر عام 2017، عندما تلقى بريدا إلكترونيا من البريطاني "جيمس سوثيل".

  

كانت "إيزابيل هولدواي" تعاني من مرض التليّف الكيسي الوراثي الذي فتك برئتيها، حتى صار خضوعها لعملية زرع رئتين أمرا حتميا لإنقاذ حياتها، لكن بعد الجراحة بدأت أعراض عدوى تظهر عليها.. اكتشف الأطباء في مستشفى (GOSH) بلندن أن سببها هي بكتيريا Mycobacterium abscessus التي استفحلت واستطالت أنيابها بفضل مقاومتها للمضادات الحيوية، بعبارة أخرى بكتيريا خارقة Superbug.

 

في رسالته الإلكترونية شرح "سوثيل" للعالم الأمريكي الحالة بإيجاز طالبا منه البحث في ترسانته من البكتيريوفاج عن أي فيروس قادر على قتل M. abscessus وأثناء بحث "هاتفول" في كنزه الثمين من البكتيريوفاج وجد أن الفيروس "مادي" فعال في قتل هذه البكتيريا، لكنه يحتاج إلى نوعين آخرين حتى لا تطور البكتيريا مقاومة ضده أيضا، فوجد فريقه بعد مراسلة لعلماء آخرين اثنين من الفيروسات هما "زوي" و"بي بي إس" لكنهما ليسا بشراسة "مادي"، هنا لجأ فريقه إلى حذف جين مسؤول عن نعومتها ليصيران فتاكين هما أيضا، وقام بإرسال الثلاثة إلى بريطانيا.

  

تزداد الأبحاث المنشورة عن هذا الشكل من العلاج غير التقليدي، ويزداد أيضا عدد الأصوات المنادية بتبنّي هذه الفيروسات الفتاكة بالبكتيريا كإستراتيجيات علاج ضد البكتيريا الخارقة

هنالك تم حقن هذا الكوكتيل العجيب من الفيروسات (الطبيعي، والمعدلان جينيا) وريديا في دم الطفلة المريضة بشكل يومي، ولمدة 6 أشهر، كانت حالتها تتحسن ببطء، وبؤر العدوى في جسدها تختفي تدريجيا، لتتعافى في النهاية بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من الموت، في الحقيقة ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها البكتيروفاج في العلاج من عدوى بكتيريا خارقة، فقد استعملت خلال عشرينيات القرن الماضي بالاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا، ولكن هذه المرة الأولى التي يستعمل فيها بكتيروفاج معدل جينيا.

  

حاليا.. البكتيريا الخارقة كابوس يقضّ مضاجع العلماء، ويثير هلع الأطباء ومنظمة الصحة العالمية، التي أعلنت عام 2013 أن مقاومة المضادات تهديد للأمن الصحي العالمي، حيث يتوقع أن يبلغ عدد من ستودي بحياتهم 10 ملايين مريض حول العالم بحلول عام 2050، كما أصدر مركز مكافحة الأمراض الأمريكي CDC قبل أيام تقريرا أثار مخاوف جمّة في الأوساط الصحية، ذاكرا أرقاما مقلقة لعدد المصابين بالبكتيريا الخارقة، الذي يقدر بثلاثة ملايين أمريكي سنويا، يموت منهم قرابة 49 ألفا، أي بمعدل إصابة واحدة كل 11 ثانية وحالة وفاة كل 15 دقيقة.

 

هل تعتبر البكتيريوفاج علاجا واعدا يمكن الاستثمار فيه؟

يعتقد بعض الخبراء أن الأمر معقد وطموح في آن واحد.. فهذه الفيروسات كما أسلفت شديدة التخصص بحيث تصيب سلالات بعينها لنوع واحد من البكتيريا. الحل يكمن في إنشاء مكتبة ضخمة منها، وهو أمر مكلف ويستنفذ وقتا ثمينا في الحرب مع الممرضات البكتيرية، التحدي الآخر هو أن البكتيريا للأسف الشديد، تطور هي أيضا مقاومة لهذه البكتيريوفاج، عن طريق أنزيمات تقطع الحمض النووي الفيروسي إلى أجزاء صغيرة بحيث يفقد فاعليته داخل الخلية البكتيرية، ورغم كل ذلك، تزداد الأبحاث المنشورة عن هذا الشكل من العلاج غير التقليدي، ويزداد أيضا عدد الأصوات المنادية بتبنّي هذه الفيروسات الفتاكة بالبكتيريا كإستراتيجيات علاج ضد البكتيريا الخارقة.

  

تقول الأمريكية "ستيفاني ستراثدي" في كتابها The Perfect Predator الذي تروي فيه قصة نجاة زوجها من عدوى بكتيريا خارقة ألمت به أثناء جولة سياحية في مصر: "لكل فريسة مفترس.. والبكتيريوفاج هي المفترس المثالي للبكتيريا الذي تطور عبر ملايين السنين ليصير قاتلا لها بهذه الفاعلية والدقة"، فهل تصبح هذه المفترسات النانومترية هي البديل في حقبة ما بعد المضادات الحيوية؟