التعليم في اليمن.. مأساة لا تخلو من الأمل

أُجبر الكثير من الأطفال، الذين يعيشون في مناطق الصراع المُحتدم في اليمن، على ترك مدارسهم والبقاء في المنازل، خوفاً على سلامتهم إن هم ذهبوا للدراسة، فقد أصبحت رحلة الذهاب إلى المدرسة والعودة منها خطرة جداً، إذ يواجه الأطفال خلال هذه الرحلة مخاطر القتل على الطريق، كما حصل لتلاميذ حافلة المدرسة في مدينة صعده، الذين استهدفوا بغارة جوية مباشرة خلفت عشرات القتلى والجرحى، أو مخاطر القتل بداخل المدارس نفسها، كما حصل في إحدى مدارس البنات بصنعاء، عندما حدثت انفجارات عنيفة بداخل مخزن سلاح يقع بالقرب من المدرسة، والذي راح ضحيته عشرات الطالبات بين قتيلة وجريحة.
   
منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، كشفت في تقرير لها بشأن وضع التعليم في اليمن أن نحو 500 ألف طفل يمني انقطعوا عن الدراسة منذ تصاعد الصراع مؤخراً، ليضافوا إلى مليوني طفل يمني أصبحوا خارج المنظومة التعليمية منذ بدء الحرب بالبلاد عام 2015. ووفقاً للتقرير فإن أكثر من 2500 مدرسة لا تعمل في اليمن، إذ دُمر حوالي ثلثاها (66 في المائة) بسبب العنف المباشر، فيما أُغلقت 27 في المائة منها، وتُستخدم 7 في المائة منها في أغراض عسكرية أو أماكن إيواء للنازحين.
    

كان للتجنيد دور في تسرب الأطفال من مدارسهم، فقد تم تجنيد 2419 طفلا على الأقل من بداية الحرب، إضافة إلى الفقر الذي جعل عمالة الأطفال الذكور في الشوارع أمرا عاديا

وذكرت يونيسف أن المنظومة التعليمية في اليمن تأثرت بشكل كبير بسبب عدة عوامل، منها التوقف عن صرف رواتب الكوادر التعليمية العاملة في ثلاثة أرباع المدارس الحكومية منذ أكثر من عام، مما جعل تعليم قرابة 4.5 ملايين طالب على المحك. ميريتشيل ريلاينو، ممثلة يونيسف باليمن، قالت في تعليقً لها على التقرير إن جيلا كاملا من الأطفال يواجه مستقبلا غامضا بسبب محدودية حصولهم على التعليم أو عدم توفره، "وحتى أولئك المنضمين للمدارس لا يحصلون على التعليم الجيد الذي يحتاجونه". ودفع عدم توفر خدمات التعليم، إلى جانب الفقر المُدقع الذي تعاني منه الكثير من الأسر اليمنية، دفع هذا الأطفال إلى بدائل خطرة، منها الزواج المبكر وعمالة الأطفال وتجنيدهم في القتال على الجبهات.
 
وفقاً للتقارير الأممية المعنية، فقد كان للتجنيد دور في تسرب الأطفال من مدارسهم، فقد تم تجنيد 2419 طفلا على الأقل من بداية الحرب، إضافة إلى الفقر الذي جعل عمالة الأطفال الذكور في الشوارع أمرا عاديا. أما الفتيات فقد كشف مسح أُجري عام 2016 في ست محافظات، أن ما يقرب من ثلاثة أرباع النساء تزوجن قبل سن الـ18، في حين تزوج نصفهن تقريبا قبل بلوغهن سن الـ15. وكانت منظمة اليونيسف قد ذكرت أن النزاع المتواصل تسبب في حرمان ملايين الأطفال في اليمن من حقهم في التعليم. وأن العنف والنزوح والهجمات التي تتعرض لها المدارس يحول دون وصول العديد من الأطفال إلى المدارس، وأنه لم يعد من الممكن استخدام مدرسة واحدة من كل خمس مدارس في اليمن كنتيجة مباشرة للنزاع. وحذّرت المنظمة من أن عدم التحاق الأطفال بالدراسة سيعرضهم لمخاطر لا حصر لها من الاستغلال وسوء المعاملة، وانتهاكات لحقوق أخرى كثيرة.
 
في ظل هذا الوضع الذي يعيشه الطلاب اليمنيين ويعاني منه قطاع التعليم بأكمله في اليمن، والذي غاب فيه دور الدولة المفترض، بسبب هذه الحرب المستمرة لأكثر من أربع سنوات، أخذ مجموعة من الشباب على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على ما تبقى من العملية التعليمة، وفي حدود إمكاناتهم المتواضعة أخذوا زمام المبادرة وقاموا بإطلاق العديد من المبادرات التي تهدف في مُجملها إلى تقديم بعض الحلول التي تَحدُ -إلى حد ما- من التدهور الشديد الحاصل اليوم في المنظومة التعليمة في اليمن.
 
مبادرة "ومض"، هي إحدى هذه المبادرات الشبابية التي تهدف إلى زيادة الوعي بالتعليم الذاتي الحديث ونشر ثقافة التعليم الإلكتروني في أوساط الشباب، خصوصاً تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، من خلال تمكينهم من معرفة الأدوات والمهارات اللازمة لممارسة هذا النوع من التعليم. لم يُخفى القائمون على مبادرة "ومض" مفاجأتهم بالتفاعل الكبير الذي أبداه الطلاب مع المبادرة في أول نزول ميداني لهم، والأثر العميق التي خَلفته بداخلهم، والذي فاق كل توقعاتهم، وهو ما شكل دفعة قوية لهم لاستكمال تنفيذ هذه المبادرة التي تستهدف في مرحلتها الأولى نحو 40 مدرسة.

   

    

عبير أحمد، مؤسسة المبادرة، قالت أن فكرة المبادرة جاءت من تجربة شخصية مرت بها، وأرادت من خلال هذه المبادرة نقل خبرتها التي اكتسبتها من هذه التجربة إلى الأجيال الشابة، خصوصاً الطلاب منهم، علّها تساعدهم في التغلب على الظروف الصعبة والمعوقات العديدة التي يواجهونها في اليمن، وأن لا تكون هذه المعوقات سبباً في التخلي عن أحلامهم وطموحاتهم.

 
كانت عبير تحلم بدراسة علم الفضاء والفلك، لكن عدم وجود كلية تُدرس هذا التخصص في اليمن وصعوبة السفر للدراسة في الخارج، جعلها تُحجم عن الذهاب إلى الجامعة للدراسة التقليدية والتخصص في مجال لا يلبي طموحه، وبدلاً من ذلك قررت التوجه للتعليم الذاتي عن طريق الانترنت (Online)، وكانت بدايتها مع البودكاست (podcast) "محاضرات صوتيه" الذي فتح لها المجال للإبحار في بحر المعرفة الذي لا ينضب، بعدها توجهت للدراسة عبر المساقات الإلكترونية (MOOCs) التي تُقدم من قبل أقوى الجامعات العالمية بشكل مجاني أو برسوم رمزية.
 
نادية طه، مديرة مدرسة جويريه للبنات، عبرت عن إعجابها بهذه المبادرة التي من وجهة نظرها كانت متأخرة إلا أنها جيدة في النهوض بعملية التعليم، وأشارت إلى أن العالم اليوم أصبح في تطور مستمر بما في ذالك التطور الحاصل في قطاع التعليم، و استغربت من أن اليمن والعالم العربي بشكل عام لا زال مقتصر على التعليم التقليدي بينما أصبح العالم قرية صغيرة، وأصبح الإنترنت ووسائل التعلم الحديثة شي مهم جداً. "هذا الجيل الجديد جيل منفتح، جيل أصبح الموبايل والكمبيوتر في متناول يده ويستخدمه الجميع يومياً"، وتساءلت "لماذا لا نستغل هذه الفرصة في تنمية وتطوير الجوانب الإيجابية عند الطلاب، فقد أصبح الطالب اليوم غير متقيد بكتاب ومعلم فهو يستطيع أن يبحث عما يرد في أي مجال عبر الانترنت الذي سهل له أشياء كثير، حتى أن المناهج التي يجد فيها صعوبة يستطيع بلمسة زر واحدة أن يصبح أمامه المجال مفتح ليبحث فيما يريد. وفي تعليقها على مبادرة "ومض" قالت "ما لاحظته من خلال المبادرة التي تنفذ حالياً في المدرسة أن هناك تقبلاً كبير لهذه المبادرة في أوساط الطلاب، وأكدت أن المبادرة فتحت لهم الباب وستترك لهم المجال بعد ذلك لكي يبحثوا بأنفسهم ويوسعوا مداركهم، إلى أن يتكون لدينا جيل واعي، مثقف، متمكن من أدوات عصره.
    

 

وتمنت مديرة المدرسة، أن تستهدف مثل هذه المبادرات المعلمين، فهم أيضا بحاجة لمثل هذه الانطلاقة كي يبدؤوا مع الطلاب بتطوير ذاتهم، حتى لا يقف المعلم عند حدوده التي تعلمها في الجامعة، ويأتي فقط لينقل ما في الكتاب مباشرة إلى الطالب، فالطالب ليس بحاجة إلى هذا الشيء بقدر ما هو بحاجة إلى أن نفتح له أفاق كبيرة يُصبح من خلالها واثق من نفسه معتمداً على ذاته.
 
بدا واضحاً من خلال حديثي مع بعض الطالبات تأثرهن الشديد بما قدمته لهن هذه المبادرة، نوال محمد إحدى الطالبات في المرحلة الثانوية، قالت في معرض حديثها عن مفهومها للتعليم الذاتي "مع التعليم الذاتي الإلكتروني ستكون واثق من نفسك، لن يستطيع أي أحد التقليل من طموحاتك، ولن تتمكن الظروف، مهما كانت صعبة، من قتل أحلامك، هدفك وغايتك وكل ما تريد تحقيقه ستصل إليه أن مارست التعلم الذاتي". أما الطالبة يسرى فعبرت عن امتنانها لهذه المبادرة بقولها "نشكر مبادرة "ومض" لأنها ساعدتنا وفتحت عقولنا للكثير من الأفكار، ونبهتنا إلى أن المرأة تستطيع أن تعمل الكثير، عملها ليس مقتصر على البيت فقط، تقدر تكون عالمة، مفكرة، مٌلهمة. أي شخص لديه فكرة يستطيع أن يحققها ويطورها ويتوسع فيها من خلال المواقع والمنصات الموجودة على الإنترنت". 
 
ربما لا تستطيع هذه المبادرة وغيرها من المبادرات التي تستهدف التعليم في اليمن، أن تُغطي العجز الموجود في العملية التعليمة، أو أن تستهدف كل المدارس وجميع الطلاب، أو أن تٌوقف التدهور الشديد الحاصل في المنظومة التعليمة، التي حذرت منه المنظمات الأممية المعنية، أو أن تحل المشاكل العويصة التي يواجهه التعليم في اليمن، لكنها مع ذلك، على الأقل ساهمت في غرس فكرة التعليم الإلكتروني والتعلم الذاتي في عقول وقلوب التلاميذ التي استطاعت المبادرة الوصول إليهم، علّها تُصبح في المستقبل ثقافة يمارسها الشباب في اليمن، وتتحول إلى مشروع يُطبق في جميع المدارس والجامعات اليمنية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة