الممنوع من النشر في قصة سد النهضة

الآن وقد اتضحت كثير من معالم الصورة التي تُحيط بأزمة سد النهضة، أحب ان أكتب كلمة صادقة تتعالى بالحق على كلّ ما نعرفه من حقائق جزئية، وتتعالى أيضا على كلّ ما يتصور القراء أني أعتقده من آراء سياسية تستند إلى التاريخ، وأبدأ بالإشارة إلى أن سد النهضة على صورته التي هو عليها الآن لم يستهدف منذ بدأ إعداد مشروعاته إلا شيئاً واحداً يرمز إلى أشياء كثيرة عميقة، وواجبنا الديني والوطني هو أن ندافع عن هذه الجواهر على الرغم من انها تبلورت في شيىء نختلف عليه أو اختلفنا عليه ولا نزال مختلفين، هذا الشيء الذي تبلورت فيه الجواهر وبذلت أمريكا ولا تزال تبذل جهدها من أجل الانتقام منه هو الزهو الناصري الساطع الذي صنعه الإعلام المصري المكثف في حقبة ازدهار الفن والثقافة وتأثيرهما النفسي الرهيب أما الجواهر العميقة التي نبع منها وعبر عنها هذا الزهو الناصري الساطع فهي انتماءاتنا لأرضنا وعروبتنا وللإسلام وللقبطية التي هي الأرثودوكسية المصرية.

 

لست أبالغ إذا قلت إن الضجة المصرية التي أحاطت بناء السد العالي والحديث عن التحدي الناصري لأمريكا والبنك الدولي وتنظيم زيارات ملحة إلى موقع العمل في السد لكلّ العالم الحر إلى أسوان لرؤية ما وصفه الإعلام المصري بالمعجزة لا تزال حتى الآن في 2019 وما بعد 2019 تؤذي بعمق شديد مشاعر الغطرسة الأمريكية إيذاء مضاعفاً، وبعيداً عن القول بأن السد العالي جلب من المشكلات أكثر مما جلب من المنافع (أو العكس) فإن المعركة الآن ليست إلا معركة سيكولوجية قديمة تريد أن تقول لمصر بكلّ قسوة: هذا هو ما جلبه لكم إعلامكم وصياحكم، مع أن المصريين الذين على قيد الحياة الآن قد تباعدوا تماماً عن الأفكار التي كانت مُسيطرة على آبائهم أو أجدادهم في مطلع الستينات، بل إنه بعيداً عمّا هو شائع من أن محطة توليد الكهرباء من السد العالي قد خرجت بالفعل (أو بالتقريب) من الخدمة، فإن الأمريكيين لا يزالون مُصمّمين على الانتقام القاسي من هذا الزهو الناصري الذي أزعجهم وقتها، حتى لو كان أثره قد خفت في حياة الرئيس عبد الناصر نفسه بسبب هزيمة ١٩٦٧ وما سبقها من وعورة حرب اليمن .

 

 والحقيقة أنني لست أبالغ فيما أقوله في صدى هذا العامل النفسي، إذ يكفي أن نقرأ بعض الهوامش التي تعمّدنا أن نتجاهلها من قبيل اختيار 15يوم يناير للمفاوضات بين مصر واثيوبيا، متناسين أنه هو نفسه تاريخ بدء العمل في كلّ مرحلة من مراحل السد العالي الذي اختير مواكبا لعيد ميلاد الرئيس جمال عبد الناصر نفسه، كما أن الحديث عن دور سد النهضة في توليد الكهرباء هو لحسن حظ التاريخ حديث كفيل بأن يدين فكرة سد النهضة تماماً، ويُثبت على هذا السد أنه ليس سداً من أجل الكهرباء أو الطاقة، وإنما هو بالتعبير الفقهي والقانوني سد ضرار، ذلك أن كمية الكهرباء التي ستتولد منه لا تتناسب مع هذا الاستثمار الضخم الذي أنفق عليه، وهو ما يقترب من خمسة مليارات من الدولارات مقابل خمسة آلاف ميجا وات على أقصى تقدير، وهي قدرة الكهرباء التي يمكن الحصول عليها من مصادر عديدة ومتنوعة بتكلفة أيسر لا تقتضي هذا الحشد والتمويل والمخاطر والحماية والصيانة والمراقبة الدؤوبة لكيان خطر ومنذر بالخطر ويصعب تصور آثاره الجانبية إذا ما حدثت، قان هذا على سبيل المثال بمحطة الشعيبة في المملكة العربية السعودية بالقرب من جدة التي تفوق قدرتها قدرة سد النهضة وقد تأسست ودخلت التشغيل من دون أي ضجيج كما هو الحال في كثير من الإنجازات الهندسية السعودية .

 

لا أريد أن أفجع القارئ مرة أخرى بأن أقول [ما لا يتصوره المصريون المنقسمون على أنفسهم الآن] إن الحرب على النيل لم تكن حربا على الإسلام وحده، وإنما كانت حرباً على الكنيسة القبطية المصرية في المقام الأول

كان هذا هو السبب الذي جعل التصميمات [الأمريكية] تبتعد بالسد إلى الحدود الشمالية لإثيوبيا نفسها ليؤذي السودان ومصر إذا ما حدث أي خطر منه على حين يبتعد بالأذى عن اثيوبيا نفسها، مع أن المنطق المرتبط بالمسار وضبط التدفق كان يقتضي أن يكون السد في الجنوب ليُفيد إثيوبيا نفسها على نحو ما أقيم السد المصري في الجنوب، لكن الحرص على استبقاء الإفادة من الطمي، ومن تدفق المياه وآثارها في غسل التربة الاثيوبية، وتغذيتها وتجديد شبابها وحيويتها وخصوبتها كان من العوامل التي انتبهت إليها الدراسات الأمريكية الجادة بعد الدراسات العلمية المبكرة التي تناولت الآثار الجانبية للسد العالي، وأثبتت بوضوح صواب وصدق ما كان العلماء المصريون الكبار (من طبقة أكبر علمائنا يومها وهو الدكتور عبد العزيز احمد بك) قد حذروا منه فأوذوا، بل وعوقبوا بسبب عدم كتمانهم للحقيقة وللعلم.

 

في حقيقة الأمر فإن سد النهضة يستهدف هدفا جوهريا عميقا غير ما يقال للناس عن انتاج الكهرباء (الرخيصة) التي يُروّجون لها ! هذا الهدف الاستراتيجي لا تعرف عنه حكومة أديس أبابا نفسها إلا أقل القليل، ولم يكن مقدرا لها أن تعرف، ولا أظن كوادرها تستطيع أن تتصور الصورة الخطرة كاملة، ويتمثل الهدف في القدرة على تجفيف مصر وأرضها في الوقت المناسب ليتحول النيل عند ما يكون من المطلوب سرعة شل حركة مصر( والعرب) في هذا الموقع الاستراتيجي للصراع الدولي، (على نحو ما كانت النذر توحي في الحرب العالمية الثانية لولا قبول النحاس للوزارة) وحينها يصبح النيل نفسه هو المنبع الأول لإذلال مصر، (كما حدث مع قناة السويس) حيث إنه بوجود هذا السد يمكن للنيل الهادر الثائر الساخر الساحر أن يتحول رغم أنفه وأوتوماتيكيا وبدون جهد إلى مجرى مائي مهجور على نحو ما كان يحدث في زمن التشريق في الترع الإقليمية، وهي صورة موسمية يتذكرها كبار السن جيدً، فإذا أراد أحد المهتمين بمستقبل مصر أن يراها على أرض الواقع فإن بوسعه أن يسافر في الصباح إلى أوزبكستان أو كازاخستان ليرى بحر أرال الذي كان يضطرب بالحركة والحياة على مدى التاريخ وقد وصل إلى مرحلة الجفاف التام في 1970 وأصبح يُسمّى مقبرة السفن.

 

لا أريد أن أفجع القارئ بمعلومات تاريخية كثيرة لكني أحب أن أقول إنه كان من حظ مصر أن تصدت البروتستانتية البريطانية في صراعها مع الكاثوليكية فساهمت إسهاما مذهلا في حماية النيل وحماية مصر من خلال جهود البريطانيين الذين تقاطعت مصالحهم مع مصالح مصر في الحصول على القطن المصري الذي كان بالنسبة لمصانعهم أهم وأيسر وأضمن وأرقى من القطن الأمريكي.

 

ولا أريد أن أفجع القارئ مرة أخرى بأن أقول [ما لا يتصوره المصريون المنقسمون على أنفسهم الآن] إن الحرب على النيل لم تكن حربا على الإسلام وحده، وإنما كانت حرباً على الكنيسة القبطية المصرية في المقام الأول، وربما قبل الإسلام، لأن هذه الكنيسة [ بفضل سماحة الإسلام] استقطبت الأحباش انفسهم، ولهذا كان الهدف المسيحي الغربي هو إزالة هذه الكنيسة الارثوذكسية المصرية من الوجود، لولا ما كان من حماية الإسلام لها (وبخاصة في عهود العثمانيين والمماليك) ولأن أجداد المسيحيين المعاصرين كانوا واعين بأن مستقبلهم مع المسلمين، وأن فناءهم هو الهدف الباطن للغربيين، فقد وقفوا الموقف الصائب الذي استمروا عليه حتى عصر آخر من عرفناه من قياداتهم الواعية وهو مريت غالي ١٩٠٨- ١٩٩١، ثم أصابت بعض قياداتهم لعنة الجهل الجاهز على نحو ما اصابت بعض القيادات الأزهرية والسلفية.

 

أختم بما لم يعد ممكنا اخفاؤه من القول بأن الرئيس جمال عبد الناصر في أوج قوته قرّر بناء صرح ضخم للكنيسة المصرية القبطية بأموال المسلمين ليغطي على صورة الكنائس التبشيرية التي زرعت في مصر بالإكراه، وليُثبت للعالم الغربي أنه واع لما نبّهه إليه علماؤنا ومؤرّخونا المخلصون، لكنه حين انتهى من بناء مقر هذه الكنيسة بعد هزيمة 1967 كان قد أصبح كسيراً مهزوما حتى إنه دعا لحفل افتتاحها من كان قد خرج عليها وطرد مُمثليها من الحبشة.. وهو الامبراطور هيلاسيلاسي اللعين. ولله الأمر من قبل ومن بعد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة