ماوريسيو بوتشيتينو.. حين تظلم الكرة أحد فلاسفتها !

حزم الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو حقائبه وحملها من غرف تغيير ملابس ملعب توتنهام بلندن، ليس لسفرية إلى إحدى مدن إنجلترا أو أوروبا لخوض منافسة محلية أو قارية رفقة فريقه بل إلى اللارجعة هذه المرة. خروج من غرف لن يكون مجددا الآمر الناهي فيها، مغادرة ستنزع منه نهائيا قميص السبيرز المرصع بشعار الديك الذي طالما لبسه وقبله. إقالة ستُغيًّب الأستاذ الأرجنتيني عن الملعب الذي تواجد به أكثر من تواجده ببيته، وتبعده عن طاقم وتشكيلة تعامل معها أكثر من تعامله مع عائلته. خمس سنوات كاملة من العطاء المتواصل واللامتناهي، صنع خلالها الحدث في كثير المناسبات والمنافسات فقط خانته الخاتمة ولم تعطه ما كان يستحقه حقا.

 

منذ يومين أعلن نادي توتنهام عن إقالة ماوريسيو رسميا من منصبه كمدرب للنادي بعد خمس سنوات كاملة على رأس ديوك لندن التي أصبحت أسودا تزأر بشدة في إنجلترا وأوروبا بسببه، ماوريسيو الأستاذ والفيلسوف أنيق الفكر الكروي، العاشق للضغط العالي، والواقعية بدأت بوصلته تفقد مسارها في أخر موسم ليجد نفسه قابعا في المركز ال14 بنفس العدد من النقاط بعد مرور ثلث عدد جولات البطولة، وهو ما لم يتعود عليه الفريق منذ قدومه الى ملعب الوايت هارت لاين سنة 2014 وبالضبط في 27 مايو قادما من نادي ساوثهامبتون في تجربة هي الثالثة له كمدرب بعد تدريب نادي اسبانيول الأسباني أيضا بين 2009 و2012. تجربة مميزة جدا إجمالا لبوتشي أعاد بها السبيرز إلى الواجهة المحلية والعالمية.

 

رغم أنه لم يحقق ألقابا يرصع بها صدره، ولكنه صنع فريقا بأداء مميز، ومقاتل داخل الميدان، ويقدم كرة جميلة دائما فقط لم يحالفه الحظ لإنهاء ذلك بالألقاب في النهاية، بوتشيتينو ومع أول موسم له تمكن من الوصول الى نهائي كأس الرابطة الذي خسره أمام تشيلسي حينها بهدفين، ليشارك بعدها في دوري الأبطال بعد غياب طويل حين حل ثالثا في بطولة الدوري بعد منافسة شرسة مع ليستر سيتي فقد خلالها اللقب بعد تعادل مثير مع تشيلسي بهدفين لمثلهما في أخر خطوات البطولة، وهي النتيجة القاتلة التي أهدت الدرع لظاهرة الموسم ثعالب مدينة ليستر.

 

بالإمكان اعتبار المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو أحد المدربين الأكفاء والمميزين الذين لم يسعفهم الحظ لتحقيق الألقاب، رغم المواسم الجيدة التي حافظوا فيها على النسق العالي

بعد سنة من ذلك حقق توتنهام مع بوتشيتينو موسما استثنائيا حين تمكن النادي من الحصول على المركز الثاني في الدوري خلف تشيلسي البطل وهي المرة الأولى التي يحقق فيها هذا المركز منذ سنة 1964 برصيد 86 نقطة. موسم خرج فيه الفريق بدون خسارة على ملعبه لأول مرة أيضا منذ سنة 1966، سنة كانت مثالية جدا حين تمكن الفريق من الحصول على أفضل هجوم بـ87 هدف، وأفضل دفاع بـ26 هدف، وهي حالة استثنائية بأن يفشل من يجمع بين أفضل هجوم وأفضل دفاع في تحقيق الدوري، وسبقه لذلك مانشستر يونايتد سنة 1998 فقط.

 

أما في الموسمين الَّلذين جاءا بعد ذلك فقد حافظ توتنهام على تواجده الاوروبي باحتلاله المركز الثالث والرابع تواليا في الدوري، وهو ما جلب لماوريسيو فرصة صناعة التاريخ في دوري الأبطال وكان له ذلك بالوصول لنهائي المسابقة السنة الفارطة والذي أدى فيها الفريق مشوارا ممتازا نقله خطوة بخطوة الى المشهد الختامي دون أن يكون أحد المرشحين لتحقيق ذلك، قبل أن يصطدم بليفربول نسخة كلوب العنيد والذي ضربه في مقتل مرتين حرما ماوريسيو وأشباله من لقب تاريخي انتظره بشدة وذرف الدموع من أجله يوما ما.

 

على الرغم من أن بوتشيتينو لم يحقق أي لقب مع الأندية الثلاث التي دربها طيلة عشرية كاملة، إلا أن فشله مع توتنهام كان الأكثر وضوحا بالنظر إلى الهالة الإعلامية التي وضعت حوله بعد أداء جيد مع بدايته وبالنظر إلى الامكانيات المتاحة لديه أكثر من النادي الاسباني والانجليزي الأخر، وهي إمكانيات لم تجلب له حتى لقبا محليا بتعدد الأسباب، إمكانيات صنعها وطورها بوتشي بنفسه داخل مراكز التدريب وداخل المقابلات وهو المشهود عنه بالتدريب القوي وحسن تسيير اللقاءات، وذلك من خلال توليفة شابة تتطور دائما، يُضعِفها أنها لا تتدعم كل مرة وخلال كل موسم بما تحتاجه من لاعبين لتعويض النقائص، بل تحقق فقط العائد المالي بضمان تواجد دائم في دوري الأبطال، دون الحاجة لتحقيق مشوار كبير وهو المطلب الأساسي داخل أسوار النادي بقيادة رئيسه دانييل لافي الذي لا يرفع من سقف الطموحات عاليا أبدا كما تفعل البقية من منافسيه.

 

كتجسيد لذلك نرى أن بوتشيتينو حين قدم الى الوايت هارت لاين كانت القيمة التجارية للنادي لا تتعدى نصف مليار دولار في حين تطورت كل سنة بقوة مع قدومه ومع نهاية مشواره صارت تتعدى المليار ونصف دولار مما سمح بتجديد الملعب الذي يدر ما يقارب 300 مليون دولار خلال هاته السنوات، بوتشي بفلسفته الداعية دائما للضغط العالي في الثلث الأخير من الملعب لم تكن كافية لتجسد ذلك الضغط مع الادارة لتجلب الصفقات الكفيلة بجلب الألقاب ولو المحلية منها فقط والتي كانت تُفقَد دائما في الثلث الأخير من الموسم.

 

لابد أن كثيرين من متابعي توتنهام بنسخته الأخيرة محبطون بعد فقدان المدرب الذي صنع سعادتهم دائما بالأداء والنتيجة، ونقلهم من اللعب على تحقيق تأهل إلى كأس الاتحاد الاوروبي كحد أقصى إلى اللعب على التأهل لدوري الأبطال، بل تعداه إلى حلم الحصول عليه لولا سوء الحظ في الختام، ونقلهم من التواجد ضمن أندية الصف النادي الى التواجد ضمن كوكبة المقدمة دائما واللعب على بطولة البريمرليغ وهو ما كان قريبا حين خسره يوما ما في أخر الخطوات أيضا.

 

بالإمكان اعتبار المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو أحد المدربين الأكفاء والمميزين الذين لم يسعفهم الحظ لتحقيق الألقاب، رغم المواسم الجيدة التي حافظوا فيها على النسق العالي، والتنافس المتواصل، والبقاء ضمن كوكبة المقدمة بشكل دائم، والأكيد الأن أن بوتشيتينو سيحظى بفرصة لتدريب أندية أخرى أكثر قوة في تجربة رابعة قد تجعل منه بطلا متوجا بالألقاب، لا بطلا غير محظوظ كما هو عليه حاله الأن.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة