حتى لا يكون هناك ضحية أخرى

BLOGS العنف ضد المرأة

العنف ضد النساء ظاهرة عالمية هي الأكثر انتشارا. ولا يزال معظمه غير مبلغ عنه لأسباب نفسية وعائلية ينتهي بجريمة ضحيتها امرأة وأطفال معاقين نفسيا، في مجتمعنا العربي يزداد التكتم لأسباب مختلفة، أهمها معتقدات موروثة لا تمت للدين والأخلاق بشيء، غالبا مصدرها المرأة نفسها، فهناك من تؤمن أن صبرها على العنف والإهانة هو في سبيل حياة أفضل لأبنائها، مخطئة، الأطفال مقلدون بطبعهم، سيتعلمون الخنوع والعيش بلا كرامة في كل مرة يشاهدون أمهم تهان، يتنمرون على إخوتهم وأقرانهم أو يختارون دور الضحية، وعقبات نفسية أخرى تختلف باختلاف طبيعتهم، تظهر بمشاكل أخلاقية وسلوكيات منحرفة في المجتمع، وقد يصل بهم الكره لوالديهم والحقد لمشاهد حفرت في رأسهم من الذل والإهانة، لا أستبعد أيضا قول أحدهم لك: لماذا تحملت من أجلي؟ لن يعوضك الأبناء عن حياتك التي تعيشينها بذل وإهانة ربما تنتهي بإعاقة دائمة. لا تحتمي بأطفال تورثينهم مأساة أكبر من أعمارهم، يحتاجون معها إلى علاج نفسي سلوكي ودوائي.

 
أما إذا كان صبرك من أجل المال، فالله الرازق، ستجدين من أهل الخير والمؤسسات المجتمعية المختصة من يعينك ويدلك على طريق كفايتك، لا تصبري على الذل. في حال كنت تخشين المجتمع فمن في المجتمع أفضل منك ليعيش بسلام وكرامة، أنت ستزرعين في نفوس أبنائك القيم والقوة والمقاومة، إذا علمتهم الضعف والسكوت عن حقهم، فماذا تنتظرين منهم عندما يكبرون وبأي قوة سيواجهون المجتمع؟!

   
عندما تحدث جريمة في أي مجتمع عربي، تتصدر منظمات حقوق المرأة لطرح نسب وأرقام ومقارنتها بدول من العالم الأول، هل ناقوس الخطر يدق عندما تتجاوز أرقامنا أرقامهم! لماذا لا نطرح سؤال: هل سجل التاريخ العربي نسبا وأرقاما وحوادث بشعة كما نسجل اليوم تاريخ جرائم أسرية يندى له الجبين للمستقبل، هل مر على أحدكم في الجاهلية حوادث قلع عيون لامرأة أو أطراف أو تعذيب وسخط، كرامة المرأة تصنع كرامة المجتمع، فمثلا هند بنت عتبة رضي الله عنها عندما رماها زوجها الفاتك بن المغيرة بخيانته، طلب منها اللحاق بأبيها، لم يؤذها لا بالضرب ولا بالشتم، حين تبين صدقها وعفتها، أخذ الفاكه بن المغيرة بيدها فنترت يده وقالت له: والله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك.

     

الوقت قد حان لأن نتكلمو نقول أنه قد آن الأوان لتغيير مفهوم أن الزواج سيغير سوء أخلاق الشريك للأفضل، ما نراه هو مآسي ولا أحد بخير

وهم قوم جاهلية وعبدة أصنام، لكن نساؤهم أحرار فكانوا مجتمعا حرا، أما في الدولة الإسلامية فو الله ما استنجدت امرأة عمورية بالمعتصم، وهي معتادة على الذل، هي امرأة عربية اعتادت أن تكون حرة، وتطلب حقها وهي واعية وقادرة. ما يفاجئني حقا أراء بعض النساء والرجال، الذين أعتقد أنهم يجب عرضهم على أخصائيين نفسيين وإعادة تأهيلهم تربويا، حين تطفوا جريمة أسرية على السطح، يأخذون الموضوع سخرية ونكتة، أضف إلى ما يبثونه من أفكار العبيد، فتجدهم يبادرون بتبرير دوافع الجاني وجرمه، والسعي لإثبات أن المرأة تستحق، فهي المسبب الأول لما وقع عليها من عنف وضرر، يفترضون سيناريوهات بليدة كبلادة أرواحهم، لا يعلم ما بين الرجل والمرأة إلا الله وحده، لو بحثت فيهم لوجدتهم معنفين من أقرب الناس إليهم، يشبعون ضعفهم باستنكار مقاومة غيرهم.

 
وإنه ليستثير فضولي النساء اللوائي يبررن العنف ويستسغنه على أنفسهن وغيرهن! إنها ظاهرة لا تختص بفئة أو طبقة اجتماعية دون غيرها، فقد تجد امرأة متعلمة وصاحبة وظيفة مرموقة تتقبله، وأخرى بإمكانيات بسيطة ترفضه ولا تقبل العيش فيه، إذن هي مسألة تعتمد على طبيعة المرأة وبيئتها. في الوقت نفسه، إذا كانت الأم غافلة عن دورها في توعية أبنائها وبناتها، أين دور التعليم ومؤسسات التنمية المجتمعية؟ على مدى سنوات تغيرت مناهج المدارس مرّات عدة، لم يضاف إليها مادة توعية وإرشاد نفسي لتأهيل الطلبة لمواجهة العنف والتعامل معه، ما لذي يمنع أن يدرس الأطفال ساعتين أسبوعيا صحة نفسية وتوعية ضد الجريمة والعنف في المجتمع، أليس هذا دور التربية والتعليم؟

   undefined

  

ثم لماذا لا تستغل حصص الرياضة في تعليم الطلاب والطالبات فنون الدفاع عن أنفسهم وغيرهم، لماذا لا تدعم مناهج الدراسة الثقة النفسية والصحية للطلاب؟ أليسوا هم مستقبل المجتمع وثروته الحقيقية، يجب حمايتهم من العنف الأسري الذي قد يتعرضون له ويخجلون بوحه. ماذا لو فرض القانون فحص نفسي وتربوي للمقبلين على الزواج، وإثبات أهليتهم لتكوين أسر طبيعية، أرى أن الوقت قد حان لذلك، آن الأوان لتغيير مفهوم أن الزواج سيغير سوء أخلاق الشريك للأفضل، ما نراه هو مآسي ولا أحد بخير.

وأخيرا إلى منظمات حقوق المرأة، ماذا تفعل الضحية التي تتعرض للعنف في مجتمعنا العربي ولا تجرؤ على الشكوى، وإذا تجرأت إحداهن واشتكت هل أنتم قادرون على حمايتها وأولادها وتأمين حياة كريمة بعيدا عن تهديد الأهل والزوج؟ إلى متى ستبقى المرأة العربية في قرانا وضواحينا وأحيانا مدننا التي تزعم الحضارة تجهل القوانين ولا تعرف لمن تلجأ وكيف تحمي نفسها؟ لا نحتاج ضحايا أخرى لنتخذ إجراءات رادعة فعينا ضحية جرش أو جعت قلوبنا ومن يعوضها عن عينيها وذاكرة لن تنسى ألم اقتلاعهما.