شعار قسم مدونات

إلى الأرواح الطيبة التي غادرتنا

blogs الموت

الموت هو اليقين الوحيد في هذه الدنيا، هو الحقيقة الثابتة التي رغم ثبوتها في حياتنا ننسى وجودها ونركض وراء دنيا لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة ونحزن على حياة فانية، والأمرّ نحزن على توافه الأمور كأننا خالدين فيه، نغفل أننا في امتحان وقته محدد مهما طال للعبور إلى الحياة الأبدية وأننا خلقنا لنعبد الله وما الدنيا إلا سبيل لهذه الغاية.

  
نعيش حياتنا نركض وراء الدراسة والشهادة ثم العمل ثم جمع المال ثم الزواج والأبناء إلى ما لا نهاية من الرغبات والأهداف، حتى نسمع بموت قريب لنا فجأة وبدون سابق إنذار، ومنذ متى كان الموت ينذرنا بقدومه؟ فمنا من يتوقف ليعيد تقييم حياته ومنا من لا يعتبر فيواصل الركض حتى يأتي أجله ليجد نفسه أمام حقيقة جلية وهي أن وقته قد انتهى واستوفى فرصته وأنه لم يبق إلا وقت الحساب ليلاقي مصيره الأبدي إما جنة أو نار إلى ما لا نهاية.

 
قد يصيب الموت آلاف الأشخاص يوميا لكننا لا نلتفت إليه ولا نتعظ ما دام بعيدا عنا وعن أقاربنا وأصدقائنا فهو لا يعنينا ويمر علينا مرور الكرام، ثم نسمع فجأة بموت قريب لنا فيقع الخبر على رؤوسنا كالصاعقة، لدرجة أننا لا نستوعبه فنشعر كأننا نعيش في حلم مزعج ومازال الحلم يتردد طوال اليوم ونحن منحصرين في زاوية واحدة غير مصدقين هل حقا غادرنا ذلك القريب الحبيب؟ ثم نستفيق فقط عند أول اتصال للتعزية حينها ندرك أن الموت خطف قريب لنا ولم نتوقع الحدث حتى في أحلامنا، حينها فقط نأمن من أعماق قلوبنا أن الموت أكبر من العالم أجمع وأنه واقع لا محالة مهما بدا بعيدا جدا.

  

مهما طال امتحاننا وحياتنا في الدنيا نبقى مجرد عابري سبيل، موطننا الحقيقي هناك في الجنة نعمل جاهدين لنعود إليه

يبقى الموت المفاجئ لأقاربنا دون سابق انذار له وقع خاص علينا، ينبهنا إلى تقصيرنا في حقهم وتقصيرنا حق أنفسنا وتقصيرنا حق خالقنا، فيكون رسالة لنا لنتدارك ما بقي من عمرنا ونصل رحمنا، هي إشارة من الله تعالى ليذكرنا أن نعمل لأجلنا فهو آت لا محالة وأن الموت علينا حق مهما بلغ عمرنا ومهما كنا معافين وأصحاء، ندرك أننا نتخاذل والأجل يقترب وأن ما راح من العمر لن يعود أبدا، ونفكر في السبل لنحسن استغلال ما بقي من أيامنا لعلها المنجية.

 
لماذا لا نستوعب وجود الموت حتى يخطف أحد أقاربنا أو يخطف الشباب اليافع دون سابق انذار فنرى أن الموت قريب جدا لكننا لم نعد له العدة حينها يتبادر لذهن كل واحد منا، ماذا لو انتهى أجلي فجأة؟ بأي عمل ألقاه؟ بأي قلب ألقاه؟ هل حافظت على الأمانة؟ كيف أقف بين يديه وقد رسبت في الامتحان؟ ماذا لو سحبت مني ورقتي وأنا قائم على الذنوب والخطايا؟ ماذا لو انتهى أجلي وأنا غير مستعد لملاقاة رب العالمين؟ ماذا؟ وماذا؟ وماذا؟ سيل من الأسئلة يتهاطل على رؤوسنا ولا جواب يشفي تقصيرنا في حق أنفسنا وفي حق خالقنا. هل ننتظر حتى فوات الأوان لنستيقظ من غفلتنا؟ وهل ينفع الاستيقاظ بعد أن ينقضي الأجل، حينها يتمنى المرء أن يردّ إلى الدنيا ليعمل صالحا، أو يسجد سجدة واحدة فقط لرب العالمين.

ما بالنا ننسى الأجل عندما تُفتح علينا الدنيا! ما بالنا ننسى الأجل عندما نُرزق بالصحة والعافية! ما بالنا ننسى موعد الحساب عندما نتكبر ونتجبر ونطغى! ما بالنا ننسى الأجل ولا نستشعر مرارة الموت إلا عندما يدرك قريبا لنا فندرك مدى قربه منا، نعيش حياتنا نتأرجح بين الطاعة والمعصية، نذنب ونتوب إنها طبيعتنا البشرية التي تضعف أحيانا كثيرة أمام شهوات النفس وأهوائها، فمهما طال امتحاننا وحياتنا في الدنيا نبقى مجرد عابري سبيل موطننا هناك في الجنة نعمل جاهدين لنعود إليه ويبقى رجاؤنا مهما أذنبنا وعصينا الخالق حسن خاتمة نلقاه عليها ومغفرة منه تطهرنا من خطايانا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.