ليس المسيح ثالث ثلاثة.. حجج دينية واضحة وأخرى منطقية دامغة

لقد تسربت المقولات المنحرفة من المجامع الكنسية إلى العقيدة النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام رسولاً من عند الله، كإخوانه الرسل الذين جاؤوا بكلمة التوحيد خالصة لا يشوبها ظل من الشرك، لأن الرسالات كلها جاءت لتقرير كلمة التوحيد في الأرض وإبطال كلمة الشرك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ (المائدة: 72 : 77).

 

جاء في كتاب (سوسنة سليمان) لنومل بن نعمة الله بن جرجس النصراني: أن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس وهي أصل الدستور الذي بيّنه المجمع النيقاوي هي الإيمان بإله واحد: أب واحد ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يُرى ومالا يُرى، وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله إله حق من إله حق مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كل شيء، والذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خطايانا نزل من السماء وتجسَّد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنس، وطلب عنا على عهد بيلاطس، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب وصعد إلى السماء، وجلس على يمين الرب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه، والإيمان بروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الأب الذي هو مع الابن يسجد له ويمجّده، الناطق بالأنبياء، وقد قال الدكتور "بوست" في تاريخ الكتاب المقدس: طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير.

 

(كانا يأكلان الطعام): دليل حسيٌّ مشاهد لا سبيل لإنكاره من قبلهم على أنه بشر يحتاج إلى الطعام، والمحتاج لا يكون رباً بل مربوباً، وأكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح عليه السلام

ونظراً لصعوبة تصور الأقانيم الثلاثة في واحد، وصعوبة الجمع بين التوحيد والتثليث، فإن الكُتَّاب النصارى عن اللاهوت حاولوا تأجيل النظر العقلي في هذه القضية التي يرفضها العقل ابتداء، ومن ذلك ما كتبه القس "بوطر" في رسالة "الأصول والفروع" حيث يقول: قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهماً أكثر جلاء في المستقبل حين يكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض، أما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية، والله سبحانه وتعالى يقول: إن هذه المقالات كلها كفر، وهي تتضمن – كما رأينا – القول بألوهية المسيح عليه السلام، والقول بأن الله ثالث ثلاثة، وليس بعد قول الله – سبحانه – قول: والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: 72: 74).

 

 هكذا حذرهم المسيح عليه السلام فلم يحذروا، ووقعوا – بعد أن رفعه الله إليه – فيما حذرهم من الوقوع فيه، وما أنذرهم عليه من الحرمان من الجنة والانتهاء إلى النار، ونسوا قول المسيح عليه السلام (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم)، حيث أعلن لهم أنه هو وهم في العبودية سواء لربوبية الله الواحد، الذي ليس له شركاء، ويستوفي القرآن الكريم على سائر مقولاتهم الكافرة (لقد كفر الذي قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، ويقرر الحقيقة التي تقوم عليها كل عقيدة جاء بها رسول من عند الله (وما من إله إلا إله واحد)، ويهديهم عاقبة الكفر الذي ينطقون به ويعتقدونه  (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم). والكافرون هم الذين لا ينتهون عن هذه المقولات التي حكم عليها الله بالكفر الصراح، ثم أردف التهديد والوعيد بالتحضيض والترغيب (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) ليبقى لهم باب التوبة مفتوحاً، وليطمعهم في مغفرة الله ورحمته قبل فوات الأوان، ثم واجههم بالمنطق الواقعي القويم، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم مع التعجب في أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح.

 

(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة: 75)، (ما المسيح ابن مريم إلا رسول): ليرد على اليهود في تكذيبهم رسالته، وعلى النصارى في ادّعائهم إلهيَّته، (وأمه صديقة): رداً على من نسبها إلى الفاحشة، فالصديقة المبالغة في الصدق، فكيف يتصور من النقية التقية العابدة المخبتة أن ترتكب الفاحشة؟ ثم إنه مولود وله أم، فكيف يكون المولود إلهاً؟

 

(كانا يأكلان الطعام): دليل حسيٌّ مشاهد لا سبيل لإنكاره من قبلهم على أنه بشر يحتاج إلى الطعام، والمحتاج لا يكون رباً بل مربوباً، وأكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح عليه السلام، وأمه الصديقة، وهي خصيصة من خصائص الأحياء المحدَثين، ودليل على بشرية المسيح وأمه – أو على ناسوته بتعبيرهم اللاهوتي- فأكل الطعام تلبية لحاجة جسدية لا مراء فيها، ولا يكون إلهاً من يحتاج إلى الطعام ليعيش، فالله حي بذاته، قائم بذاته، باقٍ بذاته، لا يحتاج ولا يدخل إلى ذاته سبحانه، أو يخرج منها شيء حادث كالطعام، ونظراً لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان بعقل، فإنه يعقب عليه، باستنكار موقفهم والتعجب من انصرافهم عن ذلك المنطق البيِّن (انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون)، ولقد كانت هذه الحياة البشرية الواقعية للمسيح عليه السلام، مصدر تعب لمن أرادوا تأليهه – على الرغم من تعاليمه  فقد احتاجوا إلى كثير من الجدل والخلاف حول لاهوتية المسيح عليه السلام وناسوتيته.

 

( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (المائدة: 76)، واستطراداً في ذلك المنطق القرآني المبين في زاوية أخرى يجيء هذا الاستنكار (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم)؟ ويختار التعبير بكلمة (بما) بدل كلمة (من) في هذا الموضوع قصداً ليدرج المخلوقات التي تعبد كلها – بما فيها من العقلاء – في سلك واحد، لأنه يشير إلى ماهيتها المخلوقة الحادثة البعيدة عن حقيقة الألوهية، فيدخل عيسى ويدخل روح القدس وتدخل مريم، كلهم في (ما) لأنهم بماهيتهم من خلق الله، ويلقي هذا التعبير ظله كذلك في هذا المقام، فيبعد أن يكون أحداً من خلق الله مستحقاً للعبادة وهو لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، (والله هو السميع العليم): فالله الذي يسمع ويعلم، ومن ثم يضر وينفع، كما أنه هو الذي يسمع دعاء عبيده وعبادتهم إياه، ويعلم ما تكنُّ صدورهم وما يكمن وراء الدعاء والعبادة، فأما ما سواه فلا يسمع ولا يعلم، ولا يستجيب الدعاء.

 

لم يأنف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون، ومن يترفَّع عن عبادة الله يعذبه الله يوم القيامة، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يعطيه من الثواب على قدر عمله ويزيده من فضله وإحسانه

( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) (المائدة: 77)، ينهي هذا كله بدعوة جامعة، يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجهها إلى أهل الكتاب في الآية السابقة، فمن الغلو في تعظيم عيسى عليه السلام جاءت كل الانحرافات ومن أهواء الحكام الرومان، الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم، ومن أهواء المجامع المتناحرة كذلك، دخلت كل تلك المقولات على دين الله الذي أرسل به المسيح عليه السلام، فبلغه بأمانة الرسول وهو يقول لهم (يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72)، وهذا النداء الجديد هو دعوة الإنقاذ لأهل الكتاب، ليخرجوا بها من خضمِّ الانحرافات والاختلافات والأهواء والشهوات الذي خاض فيه أولئك الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل.

 

إن المسيح عليه السلام عبد الله ورسوله، وخلق من خلقه، قال له (كن) فكان، وخلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه. ولم يأنف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون، ومن يترفَّع عن عبادة الله يعذبه الله يوم القيامة، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يعطيه من الثواب على قدر عمله ويزيده من فضله وإحسانه. وكيف يكون المسيح إلهاً وهو عبد مخلوق كسائر العباد تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، ويخضع لقهره وسلطانه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: 17).

————————————————————————

 

مراجع:

  1. علي محمّد محمّد الصّلابيّ، المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام (الحقيقة الكاملة)، 2019م، (183:178)
  2. أحمد الأميري، فقه دعوة الأنبياء في القرآن الكريم، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 2012م، ص 479
  3. سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة: دار  الشروق، ط 38، 1430ه، 2009م 2/946
    1. سرين محمد صعيدي، إنصاف غير المسلمين ومن أسلم من أهل الكتاب للإسلام وعقيدته وأثره على المجتمعات الغربية، دار الفتح للنشر، عمان. الأردن، ط1، 2017م، ص 117.
    2. صلاح الخالدي، القصص القرآني: عرض وقائع وتحليل أحداث، دار القلم، دمشق، ط1 1998م4/387.


حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة