هل يمكن أن نجد معنى للحياة؟

blogs تفكير

يأخذنا سؤال معنى الحياة إلى البحث عن أجوبة محتملة، وهو الأمر الذي تطرق له برنامج كراش كورس في إحدى حلقاته، حيث تم فيه التطرق إلى هذا السؤال بشكل مفصل، وانطلاقا مما جاء فيه يرى البعض أن الإله يمثل معنى الحياة بالنسبة لهم، وهناك من وجد هذا المعنى في الحب، وهناك من ارتبط لديه هذا المعنى بالمال أو الوظيفة، وهناك من وجده في كرة القدم…، في الغالب يوجد لدى كل شخص مفهوم خاص عن هدفه من الحياة، وهذا هو الذي يعطي معنى لحياته. يعتقد البعض أن الإنسان خُلق بجوهر خاص، وأن الهدف من الحياة، يعطيه الإله، وكيفما كان الحال فاختيار معنى للحياة أمر لا يجب أن نلوم حوله الآخرين، باعتبار أن المعنى قد يكون ذلك الشيء الذي نرغب فيه باستمرار، ونطمح إليه بكل إرادة، ولعله شيء نحتاجه في حياتنا.

 

ينبغي أن نبحث عن طريقة من شأنها أن تسعفنا في فهم ممكن لذواتنا، والتي من خلالها يمكن أن نضع معنى للحياة، فكثير من البشر يكرسون مجهوداتهم وطاقتهم في سبيل إيجاد هذا المعنى، وانطلاقا من ذلك، هناك من وجد هذا المعنى في الدين، وهناك من اختار الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وهناك من وجد هذا المعنى في الموسيقى، أو في السفر، أو في الكتابة، ولكل طريقته في البحث عن هذا المعنى، وفي سياق هذا البحث عن معنى الحياة تدخل الوجودية كمدرسة فلسفية معاصرة اختارت معالجة سؤال الانسان بكل تفاصيله الوجودية، فكان هذا المعنى واحد من اهتمامات الوجودية، حيث يَعتبر مجموعة من المفكرين الوجوديين أن من شأن تلك المعاني التي ذكرنا سلفا أن تعطي معنى للحياة، كما من شأنها أن لا تفعل ذلك.

 

إننا مخلوقات تحتاج إلى معنى، لكن، تم التخلي عنا في كون مليء باللامعنى، فنحن نتضرع طلبا لشيء ما، دون أن تكون هناك استجابة لنا، ورغم ذلك نستمر في التضرع في جميع الأحوال، هذا هو تعريف العبثية بالنسبة للوجودية

يَعتبر أفلاطون وأرسطو أن لكل شيء جوهر، ويُقصد بالجوهر مجموعة من الخصائص الأساسية الضرورية أو اللازمة لشيء ما ليكون ما هو عليه، وبغياب هذه الخصائص، سيكون هذا الشيء مختلفا، وعلى سبيل المثال، فقد يكون للسكين مقبض من الخشب أو مقبض من المعدن، وهذا لا يهم، وما يهم هو وجود النصل أو شفرة السكين، وبالتالي فالنصل هو خاصية أساسية في السكين، باعتباره هو الذي يحدد وظيفة السكين. وإذا كان الجوهر الذي تحدث عنه كلا من أفلاطون وأرسطو يوجد فينا حتى قبل أن نولد، فوفقا لهذا التفكير يصير معنى أن تكون إنسانا جيدا هو تمسكك بجوهرك، وهكذا فالجوهر هو الذي يعطي الغاية، فنحن وُلدنا لنكون شيئا ما، وهذا الاعتقاد هو الذي يطلق عليه الماهوية.

 

اختار بعض المفكرين في أواخر القرن التاسع عشر تحدي فكرة أننا نملك أي جوهر أو غاية، وأبرزهم الفيلسوف الألماني فريديريك نتشه، والذي تبنى فكرة العدمية، والاعتقاد باللامعنى المطلق للحياة، والعدمية كما وضّحها علي عزت بيجوفيتش ليست إنكارا للألوهية، ولكنها احتجاج على غيابها، ذلك أن العدمية بمثابة خيبة أمل ليس بسبب العالم والنظام، وإنما بسبب غياب الخير في هذا العالم، وهو الأمر الذي دفع الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في أواسط القرن العشرين لإعادة طرح سؤال الجوهر، ماذا لو وجدنا أولا؟ ماذا لو ولدنا من دون أية غاية؟ ومن ثم يعود لنا الأمر في إيجاد جوهرنا الخاص بنا؟ وهذه الأسئلة تشكل هيكل ما بات معروفا بالوجودية، حيث تتمحور فكرتها على أن: "الوجود يسبق الجوهر"، وبمعنى آخر، فوجودنا يحدث أولا، وبعد ذلك نحدد من نكون، وعلينا أن نكتب جوهرنا الخاص عن طريق الحياة التي نختارها، وبالتالي ينبغي إلغاء فكرة وجود غاية أو هدف مسبق، كما أنه ليس لدينا أي طريق معبد يجب أن نتبعه.

 

لقد تم النظر إلى هذه الفكرة الوجودية على أنها متطرفة إلى حد ما، باعتبار أن الفكرة التي ظلت تحكم الوجود لآلاف السنين هي أن الإنسان ليس هو الذي يحدد طريقه ويبحث عن الغاية، بل إن ذلك يندرج ضمن أدوار الإله، وانطلاقا من ذلك لا ينبغي ربط الوجودية بالإلحاد، نعم العديد من المفكرين الوجوديين ملحدون، لكن هناك مؤمنون أيضا مثل سورين كيركيغارد، وما ينكره الوجوديون الملحدون هو الغائية، فهم يدحضون نظرية أن الإله خلق كل شيء لغاية مسبقة. ولدنا في عالم يفتقر لأية أهمية فطرية حقيقية، وهذا مكون أساسي للوجودية، وما يتبع ذلك يشار إليه بالعبث، ويبدو أن العديد من الناس يعتقدون أن العبثية شيء سخيف وغير منطقي، لكن بالنسبة للوجوديين، العبثية هي مصطلح تقني يعني كيفية وصف البحث عن إجابات في عالم لا إجابات له.

 

إننا مخلوقات تحتاج إلى معنى، لكن، تم التخلي عنا في كون مليء باللامعنى، فنحن نتضرع طلبا لشيء ما، دون أن تكون هناك استجابة لنا، ورغم ذلك نستمر في التضرع في جميع الأحوال، هذا هو تعريف العبثية بالنسبة للوجودية. وما دام ليس هناك غاية، فالعالم لم يخلق ولم يوجد لسبب، وبما أنه لا يوجد سبب لذلك، فليس هناك مطلق نذعن له، لا توجد عدالة سماوية، لا توجد عدالة، لا يوجد نظام، لا توجد قوانين. إذا كانت جذور الوجودية تمتد إلى أواخر القرن التاسع عشر لمفكرين أمثال كيركيغارد ونتشه، فإن إشعاع الوجودية ظهر خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن قادت فظائع محرقة اليهود كثيرا من الناس للتخلي عن إيمانهم، في عالم غير منظم، لا أحد يستطيع لومهم، امتلأوا بالأسباب التي دفعتهم للإلحاد، فظهور النازية عقّد من صعوبة إيجاد معنى، لكن جان بول سارتر واجه اللامعنى مباشرة، واكتشف أحد أكثر جوانب الوجودية إيلاما، وهكذا فالوضع لا يفسره افتقار العالم للمعنى، ولكن تخليه المفزع عن الحرية.

 

تبدو الحرية شيئا رائعا، لكن سارتر اعتقد أننا أحرار بصورة مؤلمة وصادمة، فإذا لم تكن هناك توجيهات لأفعالنا، فكل واحد منا مجبر على تصميم قانوننا الأخلاقي الخاص، لاختراع أخلاقيات نعيش وفقها، يقول سارتر: "إننا محكوم علينا أن نكون أحرار"، فقد تعتقد بوجود سلطات تستطيع البحث عندها عن إجابة، لكن سارتر يعتبر بأن كل هذه السلطات التي تستطيع التفكير فيها مزيفة، فقد تستجيب لما يقوله أبواك، أو كنيستك أو حكومتك، لكن سارتر يرى بأن هذه السلطات مجرد بشر مثلنا، بشر ليس لديهم أي إجابات، بشر عليهم أن يكتشفوا بأنفسهم كيف يعيشون، وبالتالي فأفضل ما يمكن فعله هو أن تعيش بشكل أصلي، ويعني ذلك من منظور سارتر أن تتقبل بشكل كامل حريتك في ضوء العبث.

 

ينبغي أن نعرف أن أي معنى تمتلكه حيواتنا هو ما نعطيه نحن لها، أما من قرر ألا يهتم واختار طريقا أعده شخص آخر، إما أستاذك أو حكومتك أو ديانتك، سيكون لديك ما اعتبره سارتر إيمانا خاطئا، أما أن ترفض تقبل العبث مقابل العيش بإيمان خاطئ، كمن يدفن رأسه في التراب، ويتظاهر بأن هناك شيء ما لديه معنى – المعنى الذي لم تختره أنت – ولقد فسر جان بول سارتر الفكرة عبر قصة أحد طلابه، والذي واجه قرارا صعبا؛ فهو يستطيع أن يدخل الجيش أثناء الحرب ويذهب للقتال من أجل قضية يؤمن بها، وأراد القيام بهذا، لأنه اعتقد أنه على صواب، وفي المقابل توجد لديه أم كبيرة في السن ووحيدة، فإذا ذهب إلى الحرب، سيتركها خلفه، وهذا أمر خطأ. وهكذا فهو يستطيع البقاء معها وأن يترك الآخرون يقاتلون من أجل العدالة، أو يذهب للحرب، ويترك أمه وحيدة مع نفسها، ومن المحتمل أن لا يراها مجددا.

 

الشاب يشعر بالإحساس بالواجب لقضيته ولأمه، لكنه يستطيع فقط خدمة أحدهما، فإذا ذهب للحرب سيكون جزء صغير من قضية كبيرة، ومساهمته من الممكن أن لا تكون شيئا عظيما، لكنه سيساهم في شيء سيؤثر على ملايين البشر، وإذا تراجع سيصنع فرقا كبيرا في حياة شخص واحد. يرى سارتر بأن المغزى في قرار الشاب هو أنه لا أحد يمكن أن يعطيه إجابة، وفي الحقيقة لا توجد إجابة إلى أن يختار الشاب إحداها بنفسه، حيث لا توجد أية نظرية أخلاقية ستساعده في اتخاد القرار، لأن نصيحة أي شخص لن تقوده لقرار أصيل، وبالتالي فاختياره كيفما كان هو الخيار الوحيد الصحيح، شرط أن يكون أصيلا، لأنه محدد بالقيم التي اختار أن يتقبلها.

 

يعتقد الكثير من الناس أن الوجودية ترسم صورة موحشة للعالم، وواقع الوجودية يضعنا أمام ما ذهب إليه الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو في قوله: " المعنى الحرفي للحياة هو أي شيء لتتجنب قتل نفسك"، لكن في المقابل هناك العديد من الوجوديين يذكرونك أن العالم وحياتك يمكن أن يكون لديها معنى، عندما ستختار أن تحددهما بنفسك. إذا تخلى العالم أصلا عن الغاية، فيمكنك صبغه بأية غاية تريدها، وإذا كان على العالم أن يملك أي من الأشياء الأكثر قيمة بالنسبة لنا -مثل العدالة والنظام- فعلينا وضعها بأنفسنا، وإلا فلن توجد هذه الأشياء.