قلمٌ حرٌ بروح إنسان

BLOGS كتابة

أستاذي، لقد تعلمت الكثير منك وأنا قابعٌ على مقعدي الخشبي ذاك. في كل يومٍ كنت تطل به علينا بابتسامتك الرائعة أنت وخيوط الشمس الذهبية، كنت تغرس في أملًا أزليا لا يحده حد ولا يكفه عارض، أملاً أدركت به أن روح الحياة قد تدب في آخر ما يمكن أن يتوقع، وأن الإبداع ليس حكرًا على مخلوق.. لقد علمتني ما لم يعلمنيه كتاب، ولقنتني ما لم يلقنيه من قبلك بشر.. أما اليوم يا معلمي، وبعد أن ظننت أني قد قطع عني مداد علمك، أجدني أمام معلمٍ أغلب ظني أنه قد أخذ عنك، وتتلمذ على يدك خفيةً حتى فاقني، ثم أخذ على عاتقه تلقيني وتعليمي من بعدك.. لست أعلم أهو قلمي أم أنا أم أنه أخًر ثالثٌ لم يسبق لي أن تعاملت معه..

 

أستاذي، إن قلمي الذي كان يتراقص على الصفحة البيضاء فيجعلها ربيعًا زهره الكلمات قد أصبح اليوم حائرًا، تراه يقف أمام الأوراق ترهبه، تلعثم خطاه وتتحكم به، وهو الذي كان يبهرها بحبره، حار وأوقعني في الحيرة معه، فما عدت أدري إن كان العيب في أم فيه، أم أن الخلة في العالم الذي أمسيت أعيش فيه.. معلمي، قلمي الذي كنت قد أوصيتني أن أملأه بحبر الكتب قد جف؛ لا لإهمالي القراءة إذ أني ما فارقتها مذ أوصيتني بها، ولكنه أصبحت تلعثمه الصحف، وتلجم لسانه العناوين.. رأسه يشكو لي، وكلما حدقت به سمعته يسألني باكيًا: ما الخطب؟ ما جف حبري بعد، أم تراني هرمت؟

 

زل مسحة الحزن عن محياك، واعلم أنها لن ترد روحًا، ولن تنجي طفلًا، ولن تغيث مستصرخًا، لن يلجم ما تكره بدموعك، ولن تنبت بها للأجساد الباردة أرواحًا.. أنا بعضك فلا تكلني لدهرٍ ينسيكنيه

أنظر إليه عله يجد في عيناي ضالته أو يجد أثرًا لإجابة.. ولكنه يعيد السؤال علي قائلًا: ما خطبي؟! أهناك ما فاتني؟ إنه لو أمعن في عيني النظر لعرف، ولكني رغم ذلك أجبته مصرحًا: إنه ذلك الأحمر، وظننت حينها أنه قد يجهل مقصدي ويسألني مستفسرًا عنه.. ولكنه أجاب فأذهل، فأيقنت أن ما حسبته وهمًا كان عين حقيقة، وأن قلمي الذي حسبته جمادًا ميتًا كان فيه قلبًا نابضًا لو وزع على البشر من بداية الخليقة لكفاهم.. يقول: قد أبصرت في عينيك الإجابة منذ الوهلة الأولى، إذ لطالما كنت من يملؤني بالحبر ويسري في أحاسيسه، وما أردت من سؤالي إلا أن ألج إلى داخل قلبك علني أرد إليك بعض جميلك فأنت الذي نفخت في روح الحياة، وأنت الذي علمتني حتى أصبحت راقصًا ماهرًا بين يديك، حتى إذا أصبحت عاجزًا، عرفت أن اليد التي تمسكني قد أصابها مكروه، ولم يستغرق مني الأمر وقتًا كي أعرف ما ألم بك. أنت سلطاني وأنا مرسالك ولابد من أمرٍ جللٍ يصيب السلطان حتى يتوقف عن مراسلة معشوقته البيضاء..

قد تحسبني مرسالً وحسب، لا يفقه ما في القلوب، ولكن اعلم أني أدرك ما يقض مضجعك، وقد فهمت ما رميت إليه بـ "الأحمر"، وأنك لم تختر زرقتي إلا لأنك لامست في أملًا، وما نفرت من صاحبي "الأحمر" إلا لأنك أبصرت فيه موتًا.. لقد أخافتك الدماء، وأفجعتك غزارتها، وشعرت أن كتابتك لن تسمن ولن تغني، وأنها لن تحبس سيول الدماء، ولن تغيث المستصرخين، ولن تحمي الأطفال الذين طالما شبهتهم بالرياحين.. كل روحٍ خرجت، وكل صرخةٍ علت، كانت تخرج شيئًا من روحك وحبري، وتقض مضجع الدمع في عينيك حتى ينساب على خديك، والسعادة التي كنت أراها بين شدقيك قد ذبلت، فأيقنت أن الدم قد فعل أفاعيله بك، وأنك تمنيت العمى على رؤية البشر يذبحون قطعانًا كالدمى.

 

عزيزي، أزل مسحة الحزن عن محياك، واعلم أنها لن ترد روحًا، ولن تنجي طفلًا، ولن تغيث مستصرخًا، لن يلجم ما تكره بدموعك، ولن تنبت بها للأجساد الباردة أرواحًا.. أنا بعضك فلا تكلني لدهرٍ ينسيكنيه، يدك الماهرة وروحك الرقيقة ودفق مشاعرك هي ما صيرنا جمالًا، فلا تعجز ولا تجزع فقد آن الأوان كي تنهض.. أراح القلم جسده على راحة يدي واتكأ عليها مسلمًا، وكأنه يريد مني أن أقوده بشكلٍ من الأشكال، وردد بعض كلماتٍ لا زلت أقلبها في رأسي أظن أنها ستلازمني ما حييت: قم واكتب ثم اكتب، فأنا سيفك وأنا ما يكرهه كل ظلامٍ جهول، فلا تتركني حتى الممات، فممسكي في الحياة لا يموت.. سكن قلمي وهدأت تلك الروح التي فيه ومال علي حتى امتزج بروحي وجسدي. تابعت الكتابة بروح أكثر اشراقاً وأعظم أملاً، وبخاطري جاب سؤالٌ يا أستاذي، من فهم الإنسانية أكثر، أنحن ؟ أم ذاك القلم؟