العبودية الفكرية من صناعة الرأي إلى صناعة القطيع

تعتبر آراء الجماهير وتصوراتهم صناعة بأبعاد مختلفة تحترفها وسائل الإعلام والسلطات الحاكمة، ونظرا لأهمية الرأي العام وقياس درجة الرضا عند الشعوب فليس غريبا أن تجد في أعتى الديمقراطيات مؤسسات للدعاية ولسبر الآراء تمولها الحكومات بملايين الدولارات سنويا، وتولي معظم الأنظمة السياسة في العالم أهمية بالغة لصناعة الرأي العام، لكن تصطدم حاليا بالإعلام البديل والذي تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي وروادها باقتدار. وله دور جوهري لا يمكن إنكاره في توجيه الرأي العام.

صناعة الرأي علم قائم بذاته، وعملية معقدة جدا لها نظريات وأسس ودراسات معمقة، ولا يمكن أن نعتبر كل شخص له أتباع ومعجبيين بشخصية قومية أو بصانع رأي، لأن صناعة الرأي نظام شبكي مترابط، لكن لها أهداف واضحة، وتشبه نظرية المنعكس الشرطي للعالم الروسي إيفان بافلوف، فكل فعل إعلامي بخلفيات سياسية أو اجتماعية بالضرورة له رد فعل جماهيري مدروس مسبقا ومعروفة نتائجه، وتستخدم السلطات الحاكمة برعاية المؤسسات الأمنية والاستخباراتية عادة الدين وعلمي النفس والاجتماع والمؤسسات الإعلامية وشركات الدعاية والعلاقات العامة لرسم حدود مجتمعاتها الفكرية، لأنه لا يمكن التحكم في الجماهير دون معرفة رغباتهم وتصوراتهم، فالأفكار التي تعتبر قناعات شخصية عند كثير من الأشخاص، هي في الأصل قناعات نسجت في ورشات لصناعة الرأي العام وأردوا من كل شخص أن يعتنقها بإراداته الحرة.

تعتبر صفحات التواصل الاجتماعي جنة للإشاعات والأخبار الكاذبة ووسيلة جديدة لصناعة القطيع، بعد أن كانت حكرا على الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها الإعلامية، حسابات وحملات وهشتاغات

مع بروز مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت صناعة الرأي تختصر في كاميرا هاتف نقال، وبث مباشر لصفحات يتابعها الملايين، فحملة أو هشتاع بكلمات معدودة قد يدعو لها شخص غير معروف أو ناشط سياسي أو صحفي أو معارض بالخارج كفيلة أن تجمع مئات الألاف من الناس على كلمة واحدة، وقد تدخل الشك في نفوس رؤساء وحكام دول يمتلكون أسطولا إعلاميا وعسكريا، لكن قد تجد أتباعا لهذه الحملات لا يعرفون دلالاتها السياسية أو التاريخية أو السميولوجية، ويعد هذا أحد سلبيات الإعلام البديل. 

إن الهدف الأساسي الذي وجدت من أجله صناعة الرأي هو برمجة عقول الشعوب لغايات سياسية بحتة، لكن الأنظمة الديكتاتورية والشمولية تعتبر صناعة الرأي عكازا تستند عليه لضمان استمرارية وجودها، وجهاز تحكم تسير به شعوبها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ولا يختلف مبدأ ومنهجية التنظيمات السياسية والشخصيات التي تعتمد على المؤسسات الإعلامية الخاصة ووسائل التواصل الاجتماعي لايصال صوتها ولاستقطاب أنصار ومعجبيين عن الأنظمة الاستبدادية، وذلك من خلال حظر الرأي المخالف واستمالة الطبقات المسحوقة والفئات غير المثقفة والتي لا تمتلك مستوى فكريا وتعليميا يؤهلها لتحليل الرسائل والاتجاهات الفكرية.

وقد تعتبر صفحات التواصل الاجتماعي جنة للإشاعات والأخبار الكاذبة ووسيلة جديدة لصناعة القطيع، بعد أن كانت حكرا على الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها الإعلامية، حسابات وحملات وهشتاغات، قد يتابعها ويتأثر بها الآلاف من الناس تساهم بشكل مباشر في توجيه عقولهم وأفكارهم، وقد حولت وسائل التواصل الكثير من زوارها إلى تابع مسلوب الإرادة، وإلى متلقي سلبي لا يمتلك القدرة على السؤال والبحث، ويكمن خطر صناعة الرأي العام من طرف مواقع التواصل الاجتماعي في كونها منبرا غير خاضع لمعايير أخلاقية أو أيديولوجية، ويمكن لحسابات وهمية أن تصنع أزمة من فراغ، وأن تمارس عمليات التشويه والتلميع، وخلق الأعداء والأنصار، بصفة مجانية ودون أدنى جهد فكريا أو عضليا، بعد أن كانت صناعة الرأي العام  عملية علمية وإدارية، تشرف عليها مراكز بحث ومؤسسات مختصة، وتصرف عليها الدول والحكومات أموالا طائلة، أضحت في عصر مواقع التواصل عملية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة