مارادونا.. استهوته كرة القدم فتربع ملكاً على عرشها

من بلاد الفضة سطع نجمه، وبحروف من ذهب نُقش اسمه على جدران تاريخ كرة القدم ليُدوَن بالحروف ذاتها على صفحات المجد، وتُسطر على جنباتها حكايات تروي تميز قلّ نظيره، وأقلام تنقش اسماً ومع كل حرف تُدون إبداعاً إن جفت إحداها تلتها أخرى تزين التاريخ في دفتر وتنسج آخر بأنامل يُعطرها ذكر أسطورة ما تلبث أن تضيء في سماء حتى تتوهج في أخرى، دييغو أرماندو مارادونا الكفة الراجحة في كل نزال.

    

وكأن قسوة الحياة ارتبط ذكرها بتميز يلي المعاناة، ونجاحات تُشيد أسوارها على صرح التألق، وتُخلد ذكراها في دفاتر التاريخ بحروف من ذهب، حكاية سُردت بداياتها بخطوات يافعة لمن استهوته كرة القدم فتربع على عرشها كأفضل لاعبي العالم، من نشأ بين أزقة بيونس آيرس ودوّن أولى معلقاته على جدرانها، وكأن الأقدار تُساق إلى أصحابها طوعاً بسن الثالثة ربيعاً لامست أنامله كرة القدم والتي كانت هدية من عائلته فتربى على عشقها، وكانت مهاراته ساطعة كالبدر في الليلة الظلماء.

  

بدايات هي أشبه بروايات عظماء الكُتاب والتي بدأت أولى حروفها بإعلان في بعض الصحف لإجراء تجارب للاعبين جدد، إعلان قابلته كلمات صاحب العشر سنوات جويو كاريزو والذي أخبر المدرب فرانسيس كورينخو بوجود لاعب يستحق أن ينضم لفريقنا وبمجرد ما وطأت قدما مارادونا الصغير عشب ملعب باركو سافيدرا حتى رسم الدهشة على محيا من يناظره لتكون الخلاصة على لسان كورينخو والتي رواها فيما بعد في كتابه سيبوليتا مارادونا، الناس يقابلون معجزة وحيدة على الأقل خلال حياتهم وانا رأيت معجزتي في مارس 1969.

     

  

وبعمر العاشرة قاد ناديه لوس سيبوليتاس إلى تحقيق رقم يختلف عن البقية في عظمته وبعدد 136 مواجهة لم يتجرعوا فيها رفاق دييغو طعم الخسارة، وواصل نثر سحره على المستطيل الأخضر في الفئات السنية، ليقرع أجراس الاحتراف بسن السادسة عشر ربيعاً مع أرجنتينوس جونيور في 1976، والذي رسم معه طريق البدايات فارتدى ألوانه حتى عام 1981 وكانت جملته الخالدة في تاريخ النادي لقد شعرت بأنني لامست السماء بيدي في ذلك اليوم عند تسجيله لمشاركته الأولى له بمسيرته الاحترافية أمام سان لورنزو، مسيرة دشنها بتوهجه مع الألبي سيليستي في مونديال الشباب في 1979 وتوشحه لذهب المونديال بسن 18 ربيعاً بعد الإطاحة بالاتحاد السوفييتي في النهائي بثلاثية مقابل هدف يتيم، حيث انتزع لقب نجم البطولة آنذاك ليجعل من أعين كبار الدوري الأرجنتيني تناظره عن كثب، أمر لم يأخد من الوقت الشيء الكثير، لتفتح بوابة بوكا جونيورز ذراعيها احتفاء بقدوم صاحب 21 ربيعاً، بمبلغ 4 ملايين دولار ليمتلك قلوب عشاق الأزرق والأصفر في أول كلاسيكو له أمام الغريم ريفربليت والتي انتهت بثلاثية نظيفة وقع فيها دييغو هدفاً وقف أمامه المدافعان تارينتيني وفيلول عاجزين.

  

هذه مسيرة سرعان ما تأزمت بعد توثر العلاقة بينه وبين مدربه سيلفيو مارزوليني، ليشد الرحال بعدها إلى القارة العجوز ومن بوابة البلوغرانا وقّع مارادونا أول احتراف خارجي له بصفقة قياسية في ذلك الوقت قدرت 7.6 مليون دولار، وسرعان ما تلألأ فتى بيونس آيرس بمستوى عالٍ، وفي موقعة كأس الملك سطع نجم ماردونا بين البقية ليحصد أولى ألقابه رفقة البلوغرانا، سطوع تواصل في في السوبر الإسباني أمام أتلتيكو بلباو الذي لم يجد سبيلاً لإيقاف ألحان راقص التانغو، وازداد توهجاً في معركة كلاسيكو اللاليغا ،معركة عزف فيها ماردونا منفرداً بهدف افترش فيه حارس عرين الملوك الأرض وعيناه تناظر دييغو يغازل شباكه، مشهد رُفعت فيه القبعات من عشاق المرينغي قبل محبي برشلونة.

   

وفي السنة ذاتها نقش مارادونا أولى مشاركاته المونديالية رفقة التانغو مشاركة كانت متواضعة ولم ترتق لتطلعات عشاق الأبيض والسماوي وصفحة مونديالية أولى تطوى، مرتدياً لألوان كبير إقليم كاتالونيا وبألحانه غازل شباك الخصوم في 38 مرة في 58 مواجهة، طريق وصلت إلى نهايتها بعد صدام متجدد مع من يجلسون على كراسي الجلد ومن يحتسون القهوة في أكواب ذهبية ليتم الاستغناء عن خدمات أرماندو والوجهة كانت أعظم الدوريات في ذلك الوقت كالتشيو جنة كرة القدم وبوابة جنوبها نابولي.

  

مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها بجميع المقاييس، فنجاحه مع فرق أرجنتينوس جونيور في البدايات ومع الكبير بوكا جونيورز في الأرجنتين، والاحتراف بإسبانيا مع برشلونة، مراحل كانت تهيئة لما يأتي بعدها، فبعد الاصطدام مع رؤوساء الأندية وجد الأمان في إيطاليا ليكون إعصار يجتاح كل ما يقابله ولا يترك إلاّ أنقاض فرق ووجوه لاعبين يلامس محياه أرضية المستطيل الأخضر.. مارادونا نابولي وسمفونية مونديال 1986.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة