كيف تصنع من وطنك بلدا كبيرا؟

إن كان بلدك خارجا من حرب منهكا، أو تتسلط عليه مجموعة انفصالية تشيع الفوضى والإرهاب، أو جاثم على صدره ديكتاتور، أو خارجا للتو من انقلاب عسكري، أو كان الغرب مسيطرا على مقدراته ونظام الحكم فيه تابع، أو إن كان يعاني انهيارا اقتصاديا، أو منظومة الحقوق والحريات فيه منتهكة، أو إن كان جيش بلادك يسيطر عليه العملاء، ويقصون أي أيدلوجية مخالفة لأيدلوجيتهم، والبرلمان في بلدك أداة لتمرير أحلام الديكتاتور القمعية، والأحزاب فيه مجرد ديكور لحزب الدكتاتور الحاكم، فلا تيأس يمكن أن تصنع من بين ركام بلدك هذا دولة كبرى، فلدى الطيب أردوغان الحل.

 

بعد أن تم حل حزب الفضيلة، وتلفيق تهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه كذريعة لاعتقاله، على خلفية تقويض العلمانية في تركيا، عانى أتباع الأستاذ نجم ادين أربكان التخبط من بعده في تجربة حلموا أن تنجح، ومن قبل كانت تجربة رئيس الوزراء تورجوت أوزال المثيرة، والتي تقاطعت كثيرا مع السياسات بل والأيدلوجيات الكمالية والتي انتهت بموت مفاجئ لأوزال إثر الضغط الواقع عليه، وسبق هاتان التجربتان، تجربة الشهيد عدنان مندريس، الذي انقلب عليه الجيش وقدموه لأعواد المشنقة لتقويضه علمانية الدولة كما ادعوا، فقد كان لزاما أن يقف رجب طيب أردوغان وزملاؤه مليا عند تجارب سابقيهم، والتي لا شك كانت رافعة لنضال الأحرار، لإخراج البلاد من حالة الانسداد السياسي والدكتاتورية وسيطرة الحزب الواحد الفاشل التابع والفاسد على مقدرات الدولة، وهذا التوصيف ليس بتجنٍ عندما تصدقه الأرقام والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية إبان تلك الفترة.

 

ولن نعود بالزمن كثيرا فخروج تركيا من الحرب مهزومة وتحييدها عن نطاقها الإقليمي بعد الثورات التي شهدتها الخلافة في شرق وغرب أراضيها في آخر أيامها كانت كفيلة بإضعافها، لكن المئة سنة الأخيرة كانت كافية لإثبات فساد الأحزاب المرتبطة بالجيش والتي كانت بمثابة واجهة مدنية لحكم دكتاتوري عسكري، أفقر البلاد وجعلها تابعا للغرب، مسخا بغير محددات عامة لسياساتها الداخلية ولا الخارجية وابتعدت بشكل كامل عن جسور التعاون مع المحيط العربي في فترة مهمة من تاريخ هذا المحيط، لاسيما بعدما ظهر النفط في تلك البلاد، وبالأخص في الخليج العربي، وهو ما حرم الشعب التركي من امتداده الإقليمي المهم من جهة، وقطعه عن امتداده العرقي والحضاري في وسط أسيا بعد الحكم الشيوعي لهذه البلاد، وأبعده عن التواصل الحضاري والاقتصادي والظهير السياسي عن محيطيه العربي والستانات الخمس، فأنغلق الشعب التركي على نفسه، وتهاوت عملته، وضعف جيشه، وأصبح رهينة لرغبات الغرب الذي أسس لهيمنته باتفاقية لوزان، ولم يكن دخول تركيا لحلف (ناتو)، في سبعينات القرن الماضي، إلا نتيجة طبيعية لهذه الهيمنة باستغلال أراضي تركيا كقاعدة متقدمة لصد أي عدوان سوفيتي عن أوروبا.

    

  

في 14أغسطس عام  2001 كانت تركيا على موعد مع التاريخ، إذ قرر عدد من شباب حزب الفضيلة، الذي صدر قرار بحله، أن يكونوا حزبا جديدا يتلافوا فيه أخطاء أستاذهم في أحزابه الثلاثة التي انتهت بالحل واعتقال رئيسها الأستاذ أربكان وعدد من قياداتها، وعلى الرغم من ذلك فإن تلك الأحزاب، مثلت وبحق، خرقا في جدار حكم الحزب الواحد المهيمن بقوة الدبابة، حتى وإن غاب عن المشهد في بعض الفترات، فدبابته حاضرة، تردع أي حزب يخرج عن أوامره الآتية من الغرب، والتي أوصلت تركيا إلى حالة ضعف شديد في كل نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن ثم على صعيد العلاقات الدولية.     

 

لم يبدأ الطيب اردوغان ورفاقه حياة حزبهم الجديد بصدام مع الجهات النافذة والمسيطرة سواء في الجيش أو القضاء، أو الدولة الكمالية العميقة المتجذرة في مفاصل الدولة التركية، والمؤسسة لإمبراطورية الفساد فيها، بل بدأ من خلال الخدمات وبناء الشعبية ومد جسور الثقة مع شعبه في البلديات، مستفيدا من اللامركزية التي وضعها الدستور، وتوسع الحزب في هذه المساحة مع تبني خطاب محافظ لمس روح الشعب التواق لهذا الخطاب، واتخذ من الأسس التي وضعها مندريس وتورجوت أوزال ونجم الدين أربكان روافع لأدائه وقودا يسرع من محرك العمل نحو قبول أكبر من قطاع أكبر ومتزايد، ومستحضرا رويدا رويدا روح عظمة الدولة العثمانية، وسير الفاتحين والمؤسسين للإمبراطورية الأعظم والأطول عمرا في تاريخ العالم الإسلامي، وسيلة لدفع الشعب إلى مزيد من البذل حلما لعودة مجدهم، ومن جهة أخرى ممنيا قطاع أخر من الشعب بدخول الاتحاد الأوروبي، وهي الأمنية التي أثارة حفيظة الشعب لتقديم مزيد من الجهد والعمل على أسس علمية مستوحيا في الوقت ذاته تجارب النمور الأسيوية،  ومشجعا من خلال نواب حزبه في البرلمان المستثمرين بحزمة من الحوافز الاقتصادية جلبت آلاف المستثمرين في العالم لدخول السوق التركي.

 

وعلى صعيد أخر، فقد فطن اردوغان ورفاقه لأهمية وجود جيش قوي يحمي البلاد ويقمع الإرهاب، حتى في ظل تبنيهم نظرية صفر مشاكل في الداخل وفي الخارج الإقليمي والدولي، ولتهيئة المناخ للعلاقات الدولية الجديدة تصب بالنتيجة في اقتصاد أكثر نموا، بعد تشبيكات إقليمية ودولية تفتح الباب للمستثمرين ليدخلوا أفواجا إلى السوق المحلي، وهو ما استوجب أن يقصى أي عامل داخلي يقوض بنية المجتمع واستقراره، فكان الانفتاح الأكبر لكل التيارات بمزيد من الحريات ليعبر كل عن هويته ومعتقده في فسيفساء الوطن الجامعة، فلا أحد وصي على أحد ولا أحد يملك أن يفرض على أحد توجهه، وكان نتاج ذلك أن نزل الشعب بكل ألوانه لدحر الانقلاب العسكري في 2016، وهو ما أعطى الرئيس وحكومته قوة أكبر للمناورة على المستوى الدولي بعد أن نالوا قوة أكبر مبنية على ثلاثية الشعب والاقتصاد والجيش.

 

لو أردت أن يكون وطنك بين الكبار.. فعليك أن تكون أسدا بين الدول، ثعلبا مع المتربصين، غزالا في مواقف المراوغة، نحلة مع زملائك، حملا مع شعبك، جملا مع أصدقائك.. الخلاصة عليك أن تكون أردوغان.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة