الفراغ الذي تركه الإمام الشعراوي

ذات يوم كان الإمام يحاور متشددا لإقناعه بالعدول عن فكره المتطرف وعله أن يهديه سواء السبيل، سأل الشيخ الشاب المتطرف هل يجوز تفجير الحانات وقتل روادها؟

أجاب الشاب: نعم

فقال الشيخ متمعنا: وأين تراهم إذا قتلوا

قال الشاب: في النار

فبادره الشيخ بالسؤال: وهل هذا يسعد الشيطان أم يحزنه

قال الشاب: بالطبع يسعده فالشيطان يريدهم بالنار

فقال الشيخ: فهل نحن في ديننا نفعل ما يريده الشيطان، هل نسعى لإدخال الناس النار أم لإدخالهم الجنة.

 

بهت الشاب المتطرف من بداهة الشيخ وقدرته الفائقة على الإقناع وسعيه لنشر الخير وإيمانه بأننا دعاة لا قضاة هدف ديننا الأسمى هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان هذا من مذكرات تحاكاه الناس إلى يومنا هذا عن إمام قل نظيره كان هناك في أرض المحروسة وسطيا معتدلا قل نظيره في التفسير القرآن والحديث وفي القدرة على الإقناع وأوتي فصل الخطاب وحلاوة اللسان وهو من الأئمة القلائل الذين اجتمع الناس في بلاد المسلمين على حبهم والاقتناع بكلامهم.

 

هو محمد وقد حمد الناس فعله وعلمه، ومتولي حيث تولى التفسير وشرح معان القرآن حتى سهل على الناس فهمه وأحبوه على لسان الشعراوي، لم يكن يوما متعصبا لفكرة أيدلوجية فقد علمنا وعلم الأجيال في وقته وبعده أن الدين شامل وكامل ولا أصوليا متعصبا وهو الذي عاصر السلفية الفكرية حين كانت في عزها، ولا تاجر دين مقرب من السلطان فقد كان ينتقد الظلم ويجهر بذلك.

   

  

ولا هو بالذي اعتزل السياسة وحرمها على الناس فقد عمل وزيرا للأوقاف في عهد السادات وعاصر مبارك وهو في عزه وقد نصحه تلك النصيحة الشهيرة التي لا يجرؤ كثيرون على فعلها اليوم حين قال له واضعا يده على كتفه: إن كنت تريد بنا خيرا فأسأل الله أن يعينك علينا وإن كنت تريد بنا شرا فأسأل الله أن يعيننا عليك، أو مثل هذا يتهم بالتطرف والتعصب وهو النموذج الوسطي الشامل؟ إنها هجمة شرسة على شيخ له في نفوس الناس مكانة ومحبة وهي في الأصح تحمل بداخلها ما خفي من حقد على كل نموذج صالح يجتمع الناس حوله حتى إذا تفرقوا سادهم الحاكم الظالم، ألم يقولوا قديما: فرق تسد، ها هو السيسي ومخابراته تضرب كل شيء حتى القدوة في نفوس الناس.

 

سأل أحد الفلاسفة والمفكرين المعاصرين كيف تهدم المجتمعات، فأجاب بثلاثة أمور، عليك أولا بهدم الأسرة وذلك عن طريق الاستخفاف بدور الأم كربة منزل وجعلها تنفر من وظيفتها، ثانيا عليك بالمعلم وتحقيره وتسفيهه، ثالثا ضرب القدوة إسقاط القدوة في نفوس الناس، وتلك هي الاستراتيجية التي يتبناها نظام السيسي من خلال الهجوم الشرس على كل نموذج مسلم محبوب بداية بصلاح الدين وليس انتهاء بالشيخ الشعراوي حتى إذا خلا المجتمع من ذكر هؤلاء إلا بالسوء استبدلوا بغيرهم وليت لهم من العلم نصيب فالبديل هو نهج محمد رمضان والأم المثالية هي الفنانة والراقصة الأشهر فيفي عبده فهم قادة المجتمع المصري في عصر السيسي، فبعد ما انجبت المحروسة خيرة رجال الأمة من علماء ومفكرين يراد لها أن تقاد بالفنانين والراقصين، ولا يغرنك الحديث عن أسماء منير الشريف ويوسف زيدان فهؤلاء مجرد أدوات.

 

إن الإنسان في حياته يتغير كل يوم ويخضع لقوانين لا يعلم عنها شيئا فهو في حالة اليقظة له قانون وعند نوم له قانون، مقولة شهيرة لشعراوي مقتبسة من كتاب نهاية العالم هي الأقرب للقراءة السليمة لواقعنا اليوم وواقع المحروسة التي فقدت أمثال الشعراوي كثيرا يوما حتى بات لأولئك فيها كلمة مسموعة ولا يشفع لهم من العلم إلا أن آباءهم قدموا أدورا أمام الشاشة لأنفسهم ضرها على المجتمع أكثر من نفعها، إن الإنسان في حياته يتغير كل يوم وفي مصر وشقيقاتها يتغير كل ساعة فكرا وفعلا وقولا صدق الشعراوي وصدقت كلماته وبقيت، وكذب المدعون عليه فهو أكبر منهم بكثير مقاما وقدرا وعلما.

 

ترك الشعراوي فينا فراغا كبيرا لم نجد بعد من يملؤه فنحن نحتاج الإمام الذي يلتف حوله الناس يخطب بقلبه قبل لسانه ويرتل النصوص القرآنية لا نصوص تملى عليه، نحتاج شيخا معاصرا يحكم عقله ويواكب عصره لا شيخا يلغي عقله وعقول محبيه إرضاء لرغبات السلطان والشيطان، نحتاج شيخا يحمر وجهه عند ذكر الظلم والمظالم ويعلوا صوته حتى يزلزل عروش الظلمة لا ذلك الذي يصرخ في وجوه الناس عن الفروع ويسكت عن الأصول، إن كان الشعراوي قد مات فلا يزال حيا في نفوس الناس وأما الأحياء خصومه فهم ميتون حال وميتون لا محالة وعند الله تجتمع الخصوم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة