الأنظمة العربية أسلحة تفتك في الجسد العربي

تعاني معظم الدول العربية منذ حصولها على استقلالها الإسمي من استبداد أنظمتها، ومن صراعات وانقسامات داخلية مستمرة أدت إلى انزلاقها إلى مستنقع الهوان والخيانات والحروب الأهلية، وتحوّلها إلى كيانات خدمية للقوى الاستعمارية.

 

فقد دأبت الأنظمة الوراثية والشمولية العربية على تفتيت النسيج الاجتماعي في أقطارها من خلال بثها للأفكار المشبعة بالأحقاد الطائفية، أو القبلية، أو العشائرية، أو العرقية كوسيلة لضرب أي معارضة موحدة ضدها، ولشراء ولاء شريحة اجتماعية معينة من الناس تعينها على تعضيد دعائم حكمها مما أزال الصفة الوطنية عنها وأدّى إلى خلق جيل يقدم الولاء الطائفي أو العرقي أو العشائري أو القبلي على حساب الانتماء الوطني الاشمل، فكانت سوريا واليمن وليبيا والعراق لحين كتابة هذه الاسطر آخر ضحايا هذا التفكك الاجتماعي.

 

وجود هذه الأنظمة يتنافى مع مفهوم وجود الدولة ووظائفها، ويحوّلها إلى شركات مقاولة خاصة تتاجر بتاريخ ودين وحضارة وشعوب الأمة العربية

كما قامت هذه الأنظمة بتسخير طاقاتها لتحطيم شعوبها من خلال الزج بالمناضلين في غياهب السجون، وتشجيع الشباب على الهجرة إلى الخارج؛ وبناء مؤسسات تنشر الاستبداد والرعب والفساد، وتقتل الاحلام والحوافز والابتكار، وتجرم العفة، وتحارب التقدم والتطور وتحتكر الفكر والعقل؛ فالشاب المغربي أنور بوخرصة صاحب الميدالية الذهبية في رياضة التايكوندو خير مثال على ذلك؛ فقد اختار ركوب قوارب الموت الغير شرعية إلى إسبانيا باحثا عن حياة كريمة بعد أن اشتكى الظلم الذي تعرض له في بلاده، ومن الظروف المعيشية الصعبة التي عانى منها.

 

أضف إلى ذلك أن انشغال الأنظمة العربية بالصراع للبقاء في السلطة أدى إلى تراشقها سهام الغدر والخذلان والهوان على بعضها البعض، واعتمادها سياسة المكايدة، أو المناكفة، أو التحالف مع أعداء الامة كوسيلة لتركيع أو طمس العدو العربي الآخر؛ مما أدى إلى فشلها وإفلاسها سياسيا واقتصاديا، وتصدع الوطن العربي وتمزيقه ليصبح لقمة سائغه لأمريكا وإسرائيل واي دولة طامعة.

 

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تآمرت السعودية والبحرين والامارات مع العسكر في مصر للتخلص من محمد مرسي، اول رئيس مصري منتخب بحرية ونزاهة منذ عهد الفراعنة، وما زلوا يتآمرون على الثورات اليمنية والتونسية والسودانية والجزائرية والليبية؛ وتآمر العرب على بعضهم بعضا مع نفس العدو الأمريكي كما حدث في الأزمة القطرية حيث تعمل الدول المتخاصمة مع أمريكا لمعاونتها على إنزال عقوبات على الشريك العربي الاخر؛ وتتآمر جميع الأنظمة العربية على الشعب الفلسطيني بسكوتها عن جرائم إسرائيل، وبالتطبيع العلني والسري معها.

 

هذا التآمر العربي-العربي، واستعداد الأنظمة الوراثية والشمولية للتضحية بالسيادة والكرامة ومستقبل الأجيال القادمة بتحالفها مع أعداء الامة الذين يريدون مصادرة مقدراتها وثرواتها، يدل على أن هذه الأنظمة تحوّلت إلى قفازات للاستعمار يستخدمها لتدمير وتمزيق المنطقة.

 

الأنظمة العربية الوراثية والشمولية أسلحة قاتلة تفتك في الجسد العربي؛ فهي لم تتمكن من بناء استراتيجية معينة، أو تتقدم بمشروع وطني، أو بأي إصلاحات تحصّنها وتحميها من التغيرات والتقلبات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة، وترتقي بها وبشعوبها، وتضعها على سلم الحضارة على غرار العالم الغربي؛ إن وجود هذه الأنظمة يتنافى مع مفهوم وجود الدولة ووظائفها، ويحوّلها إلى شركات مقاولة خاصة تتاجر بتاريخ ودين وحضارة وشعوب الأمة العربية.



حول هذه القصة

لطالما بنيت علاقات الدول الخارجية على أساس المصالح المشتركة، والتوافقات في الرؤى الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي والسياسي، وهذا ما يجعل الدول حريصة على ضمان استمرارية مصالحها في مجالها الجيوستراتيجي.

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة