أوائل الدفعة.. صراعٌ من أجل العلمِ أم الوظيفة؟

إنَّ ثقل الحياة الجامعية ووعثائها، وسطوتها على النفس كبحًا وجمحًا ليس بغريبٍ أو بعيدٍ على من تقع عيناه على هذه السطور؛ ذلك أن أثرها في نفس من عبرت قدماه أبوابها وما يتبعه من شكوى وتذمر، ومعاناة قد بلغ صداه أسماع العالمين جميعًا، ويزيد هذه المعاناة مرارة، وألمًا أن تكون في جامعة مصرية، تنازل الجهل والفساد في آنٍ واحد؛ فالتعليم في مصر لم يجاوز حقبة الخمسينيات أو الستينيات مستوى وإدارة؛ التعقيد يحكم كل شيء، والتأخر يكتنف ما هرب من الأول، والجمود يغلفهما معًا.

ولا شك في أن واقع الكليات العملية التي تستند إلى مهنة يتعلمها الدارس حتى يصبح متخصصًا فيها واقعٌ عسيرٌ، لا تناسب فيه بين كمٍ وكيف، وهو أقرب ما يكون إلى محطة تُستنزف فيها الطاقات الشبابية بصورة روتينية قاتلة، وهو في ميزان التعلم الفعال والاستفادة الذكية صغيرٌ جدًا، بيد أن هذا الواقع لا يمنع من المنافسة بين الطلاب على المراتب الأولى، منافسة قاسية، لا هدنة فيها ولا راحة، وبغية الفوز والغنيمة المعتقدة، لا مُغلِق لطريق ولا مانع لوسيلة، فتلك رحلة نهايتها الوظيفة الآمنة -قبل أن تغير الحكومة وصفها وتضعها مطلع العام القادم قيد التعاقد- المرموقة اجتماعيًا، حتى وإن كان مردودها المادي لا يكفي الحاجات الأساسية لمنتسبيها.

الظاهرة الموغلة في الأذهان، العاملة في النفوس ليس المجتمع ببريءٍ منها؛ فما أكثر الأسر التي تربي أبناءها على أن التفوق الدراسي مرهون بالعلامات الدراسية فقط، مهملين النظر إلى القدرة على توظيف

ومن ثم لم يعد غريبًا أن ترى أحدهم يسلك مسلك الود المُتكلَّف للأستاذ المسؤول عن مادة بعينها، أو أن يلعب آخر دور الأذن السوداء فتُنقل حروفٌ، وتتحرك كلماتٌ، ويشغل الخوف قلوب الجميع، حتى تشوب هذه المنافسة خناجر من حقد غير معلن، وسيوف مسمومة متقطر منها سواد هذه القلوب، والحق أن كل واحد من هؤلاء، قد بذل حتى وصل البذل أقصاه وسهر حتى بلغ السهر ذروته، واشتدت عزيمته، وتخير للنفس ما لا ترتاح فيه ولا تهنأ؛ ليكون حيث تمنى.

بل عجيبًا أن تتحول هذه المنافسة إلى صراع تحكمه العلامات الدراسية والتقديرات المتميزة فقط، ومن قال أن الطالب الناجح سيصبح معلمًا ناجحًا لا لشيء إلا لأنه قد اجتاز الامتحانات بدرجات مرتفعة، أين الكفاءة والتميز في شرح المعلومات؟ وما بال هذه الهوة آخذة في الاتساع دون أن يلتفت إليها أحد! وكيف يقدم حديث التخرج على الوقوف موقف المعلم، وهو خالي الجعبة لم يتلقَ أي علمٍ ينظم طريقة شرحه، وعرضه للطلاب؟ وما أكثر ما يضيق الطلاب الجامعيون بمعيد أو دكتور لا يقدر إلا على قراءة مقرره من شاشة اللاب توب خاصته أمام الطلاب، ولإن استوقفه طالبٌ متسائلاً مستفهمًا فهي الظنون التي تحكم موقفه؛ أيختبر معلمه أم يتحداه، أم يتفنن في عرض ذاته أمام زملائه؟

والحقيقة أن هذه الظاهرة الموغلة في الأذهان، العاملة في النفوس ليس المجتمع ببريءٍ منها؛ فما أكثر الأسر التي تربي أبناءها على أن التفوق الدراسي مرهون بالعلامات الدراسية فقط، مهملين النظر إلى القدرة على توظيف هذا المدروس في الجانب العملي، والتطبيقي، وكثيرًا ما رأينا صيادلة ذوي تفوق دراسي باهر، لكنهم عند التعامل مع المريض وإفادته، واتخاذ القرار السليم، غير موفقين بالتمام؛ ذلك أنهم قد أخلوا بميزان الربط بين الدراسة وسوق العمل، ولا شك أن النظام التعليمي يشغل الجانب الأعظم من أسباب هذه الظاهرة، وهو نظام ينحدر نحو التعقيد، ويفتقر إلى الربط بين المطلوب والمُقدم، ويزداد ثقلًا بالمناهج التعليمية الصلبة التي لا تواكب الجديد النافع.

بيد أن عين التمحيص والتدبر لا تغفل كون هذا التردي، والضعف الأصغر جزء لا يتجزأ من ضعف وتأخر أكبر مغبونة فيه مصر منذ زمن بعيد، إلا أنه زاد في السنوات الأخيرة، المحزن في الأمر قياسيًا أن أوائل الدفعة قديمًا كانوا يولون اهتمامهم بالدرجة الأولى إلى العلم والتنافس في طلبه، في مروءة وحسن خلق، وحياة الدكتور طه حسين مثال واضح لما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم الذي يخلص في طلبه فتأتيه الوظيفة مسترجية مستعطفة ليقبل بها ويشغلها، لا أن تشغله هي وتكون محور حياته، فتنقص منه ما لا يجبره مال أو وظيفة، فحسب الإنسان إن نزل بساحة منافسة أن يكون سليم النفس، مستقيمًا، لا يبرر وسيلة بغاية، ولا يقتل مبدأ من أجل مكسب، وأن يراعي شرف الهزيمة بعد استفراغ، كما يراعي فخر النصر وحيدًا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة