مهنة المتاعب بعيون أصحابها في الشمال السوري المحرر

جمعتنا جلسة لساعات مع زملاء مهنة المتاعب في الشمال السوري المحرر، خاض فيها المجتمعون في متاعبهم المهنية، والتحديات التي تواجههم بشكل يومي، كانت جلسة ممتعة وشيقة، لاسيما حين يلتقي أهل الكار نفسه، يتحدثون مع أنفسهم، بكل شفافية ووضوح دون معوقات أو خوف أو وجل، يلتقي فيها من يمثل سوريا الحرة مهاجراً بدينة وحريته من درعا وحمص ودمشق والساحل والجزيرة وغيرها.

 

كان الجميع يتحدث عن فقدان وسائلهم الإعلامية لشهيتها في تغطية الأحداث، لخصها أحد الحاضرين بقوله لقد قدمت أخيراً خمسين مقترحاً لم يتم الموافقة على واحد منهم، فيضيف زميل آخر يقول ما نواجهه اليوم هو فقدان الحاضنة لشهيتها بالحديث إلينا، هذا إن لم تتهمنا بأننا نقبض على جراحاتها ومعاناتها، والأخطر من هذا كله أن يقول لنا البعض ما فائدة التغطية الإعلامية إن كان العالم يزداد تناسياً و تجاهلاً لنا، فلماذا ننفق الأوقات ونضيعها بلا فائدة، لكن ونحن نتحدث جاء الأمل من أحد الحاضرين حين قال لنا إن الحملة التي أطقلها بعض الناشطين الإعلاميين تحت عنوان "حلمي قلمي" لتدفع الاتحاد الأوروبي على الإفراج عن ما تصل قيمته إلى 23 مليار دولار للتعليم في الشمال المحرر، فانفرجت أسارير الآخرين، وبدأت لهجة الحديث تتغير نحو الأمل والتفاؤل.

 

معاناة شخصية كثيرة سكت عنها الإعلاميون الثوريون في لقائنا معهم، آثروا الحديث عن معاناة الوطن الجريح أكثر من حديثهم عن معاناتهم الشخصية، لكن في النهاية هل ثمة من يسمع لهم؟

كانت الفرحة عامرة للشباب الحاضرين، فمثل هذا العمل سينقذ جيلاً بكامله يهدده وحش الجهل والجريمة والمخدرات لا سمح الله، جيل لن يكون خطره على سوريا فقط بقدر ما سيكون على المنطقة والعالم بأسره، ولذا من يدفع اليوم للتعليم في الشمال المحرر ولغير التعليم إنما يدفع لإنقاذ نفسه المهددة يوماً ما بكوارث قد يقوم بها جيل جاهل، سيتحول إلى الجريمة الخطيرة التي ستفتك بنا جميعاً.

 

يصمت الجميع فرحاً لهذا الخبر،  ليضيف زميل آخر إن المسألة تتعلق اليوم بالافتقار إلى مؤسسة إعلامية ثورية تخدم الثورة أولاً، همّها الوحيد دعم الثورة وفضح النظام والمتآمرين على الشعب السوري، بعد أن تخلت المؤسسات الإعلامية الدولية في غالبها عن هذه المهمة، والتفتت إلى قضايا وأخبار أقل أهمية، ما دام الحدث السوري بنظرها يكرر نفسه قتلاً وتشريداً ومعاناة، ويزيد زميل آخر إن المؤسسات الإعلامية التي كانت محسوبة على الثورة حتى وقت قريب قد انقلبت على نفسها، ولم تعد تهتم بالحدث السوري، لاسيما المؤسسات التي كانت محسوبة على دول الحصار لقطر.

 

ثمة تحدي آخر يتحدث عنه الجميع وهو تحدي التأهيل الإعلامي الحقيقي، فقد تكاثر الإعلاميون في الشمال المحرر لكن معظمهم من خلفيات الصحافي المواطن، لا علاقة له بالعمل الصحافي سابقاً لا دراسة ولا تدريباً، وبالتالي فإن التعويض الوحيد لذلك هو قيام مؤسسات أو أفراد إعلاميين بتبني عملية التدريب، وتسليح الإعلاميين في الشمال المحرر أملاً في ترقية العمل الإعلامي هناك، خدمة لأكثر من أربعة ملايين نسمة تعيش في المحرر.

 

معاناة شخصية كثيرة سكت عنها الإعلاميون الثوريون في لقائنا معهم، آثروا الحديث عن معاناة الوطن الجريح أكثر من حديثهم عن معاناتهم الشخصية، لكن في النهاية هل ثمة من يسمع لهم؟، وهل ثمة من يحمل همهم؟، ليكون ممن يحمل همّ أربعة ملايين يقومون هم بتغطية خبره، فهم نافذتنا الوحيدة على هذه الملايين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة