السُكريّ بين المرض والناس

BLOGS مرض السكري

تختالنا الابتلاءات من كل مكان لتصقل ذواتنا، وتطهر قلوبنا لنُصبح أكثر قوة في خوضنا لغمار الحياة، وابتلاءاتنا في الحياة كثيرة ومتنوعة: فهنالك ما تعتقد ذات يوم انه ابتلاء لتكتشف فيما بعد انه نجاة من الله لك!، وبعضها تظنه ذات يوم انه اعاقة لتكتشف فيما بعد انه أصبح أحد ادوات مصادر رزقك!، فالأمر واسع في الزمان والمكان فلا تكن قاصر النظر. ومن هذه الابتلاءات التي داهمتني مؤخرا هي إصابتي -ولله الحمد- بمرض السكر في أقل درجاته وأحمد ربي على ذلك، ولي معه تجربة أحب أن أتشاركها معكم لعلكم تجدون فيها بعض الفائدة. بالنسبة لمرض السكر أكبر مشكلة فيه تكمن في عدم اكتشافه، فإذا لم تكتشفه ستشعر بمجموعة من الأعراض المزعجة!، وستشعر بأن هنالك شيء غير طبيعي يعصف بجسدك!، وستحس بأن هنالك أشياء غريبة تركض في دماغك!، ولكن بمجرد أن تكتشف المرض وتضع يدك عليه تصبح الأمور على طريق السهولة والشفاء.

عندما أصبت بالسكر كانت صدمة تلاشت أثارها مع الوقت، فعندما تصاحب السُكر بالرياضة واختيار الغذاء المناسب وتناول الدواء بانتظام ستكون أمورك على ما يرام بمشيئة الله. ولكنني كمُصاب بالسكر أضيف أمرا آخر: ألا وهو عدم الهموم، فالتفكير في الهم والغم يرفع السكر في الجسد بدرجات أعلى من تأثير السكريات والمشروبات المُحلاة!، فخليها على الله ولا تشغل بالك بالتفكير تنساب الحياة في دمك، ويخجل السكر منك فيبتعد أكثر وأكثر. أنظر أحيانا إلى الأدوية وأنظر إلى جسدي واتنهد!.. فاستخدام الإدوية لا يُرهق في الوقت فوقته سهل جدا، وإنما إرهاقه في السُكرة التي تأتي احيانا بعده إذ أشعر بخمول مؤقت عندما استخدام دواء السكر، وحينها لا تدري أيهما أفضل استخدام الدواء من عدمه!، ولكن المرض كفارة. عندما بدأت في استخدام أدوية السكر رفضها جسدي، وهذا أمر طبيعي حتى أنني جلست في صراع مع الدواء لشهر كامل حتى تقبله جسدي.

السكر إذا صاحبته أصبحت شخصا طبيعيا، بل ربما قد تكون أفضل من الطبيعي إذا التزمت (بالدواء والرياضة والحمية) بشكل صحيح.. فالسكر محفز لكي نأكل أكل صحي وسليم، وهو بداية لنمارس الرياضة

ومن خلال تجربتي مع السكر تأكدت بأنه أمر طبيعي إذا تعاطى معه الإنسان بشكل طبيعي، فالأدوية تصبح عادة، وممارسة الرياضة تصبح جزء من اليوميات، والركض خلف الأكل المنعدم من النشويات يصبح أمر تلقائي، والبحث في مواقع الصحة عن الأطعمة التي تخفف السكر في الدم يصبح هاجساً دائم، وعندها سيكون كل شيء على ما يرام. وأهم تجربة خرجت منها من مرض السكر هي معرفة الإنسان لضعفه، فتجربتي معه جعلتني أراجع نفسي كثيرا في شتى منحيات الحياة، "فالسكر ثقافة" كما قال لي صديقي المصاب به، فراجعت نفسي في الطعام والشراب والمشاعر والتفكير والعمل والمجتمع، فالنأي عن كل المُكدرات من هموم وأشخاص يساعد في بناء هالة إيجابية حول الشخص لتنتعش نفسياته، وتشرق روحه، ويصفى عقله، فيقوى بذلك جسده، وتزدهر مناعته، ليتطهر من كل الشوائب، فالسكر يجعلك تصبح أكثر وعيا بحياتك في كافة جوانبها، وإذا وعيت بها ستصبح العافية رفيقتك للأبد.

ونحتاج إلى الكثير من النبل في علاقتنا بمريض السكري، أقولها وأنا أشاهد الكثير وللأسف يأخذ أقصى التطرف في التعامل مع المصاب بهذا المرض وذلك عندما يقول له بدهشة: (فلان أصيب بالسكر فقطت قدمه! وفلان عمي بسببه! وفلان سقط في الطريق! وفلان جاءته غيبوبة أثناء منامه!) وغيرها من الكلمات الجارحة! والتي إذا لم يستعد لها مريض السكري بشكل جيد ستؤثر على نفسياته، مما قد يرفع له السكر. ومن المشاهدات أيضا هي عدم عناية الكثير من المطاعم بمريض السكر! فيقدم لك الطعام بلا خبز القمح المفيد له! ولا تضع غالب محالات العصيرات عصيرات خالية من السكر!

باختصار وبعيدا عن التفاصيل كثير من الأماكن لا تضع أي حساب لمرضى السكري! رغم أنهم يشكلون 20 بالمائة من عدد سكان السعودية وفق آخر إحصائية عام 2018. ولقد لاحظت أيضا أن هنالك الكثير ممن أصيبوا به يخبئونه كسر خطير! لا أدري صراحة هم يخافون من المرض أم يخافون من ردة فعل المجتمع؟ وتخبئتهم له تجعلهم يضطرون في كثير من الاوقات لمجاملة الناس في المأكل والمشرب على حساب صحتهم! مما يضرهم أكثر فأكثر. قلها بصوت عال لا تخشى أحد: (أنا مصاب بمرض السكر).. واجه مشكلتك بكل ثبات، وحولها من محنة إلى منحة.. اذهب إلى السكر ولا تهرب منه.. استخدم الدواء وفق توجيهات الطبيب، واهتم بأمر الأكل والشرب الذي لا يرفع لك السكر، وحافظ على الرياضة بشكل شبه يومي.

والأهم من ذلك كله ابتعد تمام البعد عن الاسترسال في الهموم، والتفكير في عراقيل الحياة.. باختصار كن إيجابيا دائما، وابتعد عن كلما يقلقك، واملأ قلبك بطاقة التفاؤل. وقبل هذا كله أكثر من الحمد والشكر.. فالسكر إذا صاحبته أصبحت شخصا طبيعيا، بل ربما قد تكون أفضل من الطبيعي إذا التزمت (بالدواء والرياضة والحمية) بشكل صحيح.. فالسكر محفز لكي نأكل أكل صحي وسليم، وهو بداية لنمارس الرياضة بشكل يومي.. باختصار هو يعيد برمجة حياتنا نحو الأفضل إذا صادقناه بشكل صحيح.

حكمة المقال أن أمراضنا نعم كبيرة من ربنا، علينا أن نحولها من تعب إلى صحة، ومن إرهاق إلى طاقة، ومن ألم إلى أمل.. أمراضنا الحقيقية في موت أحساسنا، وفي انهيار تفاؤلنا وثقتنا بربنا.. أمراضنا في استسلامنا وشفاؤنا في قتالنا، وبدايته تكون من قلوبنا الواثقة بالله، "فكل أمر المؤمن خير" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.