فيلم "words and pictures".. تساؤلات حول صراع الصورة والكلمة

blogs الصورة والكلمة

كانت لحظة فريدة من لحظات اليوم، لحظة أتت عليها حيرة متسائلةُ فأفسدت نشوتها، ثم طاف بها الشك طوافا متصلا فأحال الحيرة إلى شقاء عقلي ما فتئت آثاره تنازع نفسي كلما ختمت كتابا أو أكلمت فيلما. إنما أريد هنا هاتيك اللحظة التي تلت مشاهدتي للفيلم الأمريكي "كلمات وصور" Words and Pictures  ففيها طرحت أسئلة شتى، وأحصيت شكوكا ثقالا ذهبت بمنطق عقلي مذهبا بعيدا، وكان مفاد هذه الأسئلة والشكوك يدور حول سلطة الكلمات مقارنة بسلطة الصور في عصرنا.

  

قطعا لم يكن الفيلم خالقا لهذه الأسئلة والشكوك، لكنه كان الباعث لها وقد امتد رقودها في نفسي بعض الزمن، خصوصا حين جمع بين عنصرين أساسيين طالما شكلا لباب كل سؤال وشك. فقد اعتدت أن أسائل درجتي المتعة والفائدة وأنا أقصد كشكا من أكشاك المدينة لابتياع جريدة، أو ذاهبا إلى دار من دور السينما راغبا في مشاهدة فيلم، أو قاصدا معرضا للوحات تشكيلية أو منتبذا ركنا في المنزل مهيئا لقراءة كتاب. لم تكن تنبعث تلك الأسئلة والشكوك في لحظة اقتناء واستقبال فحسب، بل ظل انبعاثها أجلى في لحظات التأمل والتخطيط والكتابة.

 

فها أنا ذا ألقي بعضها اليسير وأنا أدون هذه السطور، وأقول: أيها أقوى على الإمتاع وأقرب إلى الإفادة من الأخرى، الصورة أم الكلمة؟ هل تقوى الواحدة بضعف الأخرى، أم تنمو سلطتاهما في حالة من التعاون وتلاحم العوامل؟ لكن ما سبب دلوك شمس الكتاب في أيامنا حتى أمسى يشفق من دلوكه أخلص الجلساء؟ وما سبب توسط الصورة كبد السماء حتى غدا يطرب بها الأنام البعداء قبل الأقرباء؟  لن أطلب جوابا من الأقدمين، ولن أطلبه من المحدثين، فقد يكون في رد الأقدمين جهل لما جرى بعد ذهابهم، وقد ينطوي على رد المحدثين إنكار لما عاشه الأقدمون من قبلهم. لكن دعوني أذكر أشياء يشهد عليها التاريخ غير المشوب، ويقر بها كل ذي علم نزيه.

   

  

قد تربعت الكتب على عرش الفائدة والمتعة دهرا طويلا، وأحدثت في النفوس والمجتمعات تأثيرات جمة. أولي الألباب في العصور السابقة هم أولاء يفقهون ألمع الكتب، المشبعين معرفة بروائع المجلدات والصحائف والأسفار. ولم تكن الكلمة منبع الفائدة فقط، فقد اكتست حلاوة وطلاوة جذبتا المهج المتعطشة الذواقة من كل مكان. ولو لم تكن للكلمة قيمة مثل التي نَصِفُ وأعظم لآثر صاحب "البيان والتبيين" حتفا بغير أسبابها، ولما أفنى عميد الأدب العربي عمرا كاملا في حضنها وهو الذي لا يستطيع نظرا. لو لم تكن للكمة مُكنة لما صارت للمعلقات مكانة في الذاكرة العربية غير ضعيفة. ولما قلبت بعض الخطب تاريخ الدول والحضارات وحولت مصائر البشر تحويلا مشهودا. لقد حوت الكتب -الجامعة لعنصر الكلمات- إلهاما تفتقت به عقول الورى فأبدعت، وربما كانت مما أبعدت الصورة، والصورة المتحركة بالتحديد!

 

مهما يكن سبب بروزها، فإن الصورة اليوم قد تحررت أصدق ما يكون التحرر، وتمردت أشد ما يكون التمرد. فلينظر أحدنا إلى ذاك العرش الذي ذكرناه، عرش الفائدة والمتعة، فهل ما زالت تعترشه الكلمة، أم أنه تزعزع شيئا كثيرا؟ وليرقب أحدنا الذين يبتغون عيشة في قلب الكتب ويبتغون المنايا إبان القراءة، فهل يجد أحدا؟ سوف يجد، إن وجد، الثلة القليلة!

 

لقد أصبح المرء يفتش عن المعلومة بأسرع الطرق، فظل يقرأ في سطحية المعاني ما أتى بالضر على حسه النقدي، وصار يحاول أن يراكم الكم الهائل من التعليمات في وقت وجيز، فتعلم كما هائلا، لكن في شظايا لا يكاد يمت بعضها إلى بعض، وهو في أغلب الأحايين لا يتوقف عند معنى من معاني المكتوب العميقة إذا أسرع إلا إذا استوقفته صورة مرفقة. بعدئذ انعكست السبيل التي يكتسب بها على إنتاجه، إذ بات لا يمعن حين يعبر عن إحساسه وفكره في الكلمات، وأضحى قارئ الكلمات لا يجد فيها صدق الإحساس وعمق الفكر المبتغى.

 

إن للصورة فائدة ومتعة لا تنكر، لكن تطورها يأتي غاليا على حساب الكلمة، الكلمة في الكتاب، الكتاب الذي علمنا أن الفائدة الأجل تذوب في السرعة، ومُصِيبُها هو من مكث في صبر وتمعن، وعلمنا أن في المتعة ألوان، وخير الألوان ما خدم الذوق الإنساني الأسمى وسعيه نحو الخير، وعلمنا أن بعض العلم المتلاحم خير من بعضه المتفكك، وبعض الإيمان الثابت خير من بعضه المضطرب، وعلمنا، وأبهى ما علمنا، أن للجلوس معنى فريدا، هو ما يبنيه الكتاب دون منافس، فهل أهجر مكتبتي، بعد كل هذا، بما فيها من الكتب والمجلدات والصحف القديمة والأسفار، إلى حيث يتكلم الورى دون أن يحاسبهم على لَحْنهم أحد؟! ليت كلماتي ماذا يكون!