الانتخابات الحرة.. ورقة الإسلاميين الرابحة

blogs محمد مرسي

ألزمت الهيمنة الليبراليّة الولايات المتّحدة الأمريكيّة على نشر الديموقراطيّة في مناطق غير معتادةٍ عليها عن طريق الانتفاع بالهجمات العسكريّة وأجهزة المخابرات لتغيير الوضع الراهن، وترسيخ القبضة الأمريكيّة على العالم. وفي دفاعها عن مشاريعها المثيرة للشّك في العالم الإسلامي، تشير الولايات المتّحدة إلى الحاجة لنشر وتحقيق خلاصة المُثل الليبراليّة كالديمقراطيّة والحريّة، وتجربة العقود الماضية تعكس المحاولة المُشار إليها، لكنّ الواقع يشير إلى أنّ المشاريع الأمريكيّة في الشّرق الأوسط لم تؤدِّ لأيّ شكل من أشكال التحوّل الديمقراطي، أو على الأصح فقد أدّت إلى إضعاف عقود من الإدراك الأمريكي العتيق للديمقراطيّة الليبراليّة.

وقد كتب السّياسي الواقعي الشهير جون ميرشايمر وستيفن والت في The Case for Offshore Balancing أن ترويج وتعزيز الديموقراطيّة يتطلّب نطاقاً واسعاً من الهندسة المجتمعيّة في المجتمعات الأجنبيّة التي لا يفهمها الأمريكيون بشكل جيّد، وهذا يفسّر سبب فشل جهود واشنطن، وبعبارة أخرى أثبتت الحكومات المحليّة بمهارة أنّه لا بديل عنها. ويرى التاريخ الحديث أن دولة العسكر عندما ترغب بتحول ديمقراطي، فإننا حينها فقط نشهد في الدول ذات الأغلبية المسلمة انتخابات حرّةً نزيهةً معترفٌ بها دوليّاً، تخلو بشكل ملحوظ من التدخل الغربي. في حضور عاملٍ مشتركٍ آخر لافت للانتباه، ألا وهو فوز الأحزاب الإسلامية في صناديق الاقتراع.

برهن الإسلاميون في مصر على كونهم تهديداً بارزاً للمصالح الأمريكيّة، وفي المقابل فإنّ السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة لم تعُد تُثَّمِّن الانتخابات الحرّة والنزيهة في دولٍ رئيسيّةٍ عدة

الأحزاب والحركات كحركة النّهضة في تونس، والإخوان المسلمين في مصر، ونجاحاتٍ انتخابيةٍ أخرى ملحوظة للإسلاميين نبّهت الولاياتِ المتّحدةِ لحقيقةٍ مروّعة، مفادها أنّ انتصارات الإسلاميين تعني سياساتٍ إسلاميّة، وهي عادةً ما تكون على خلافٍ مع المصالح الأمريكيّة في المنطقة – ما أدّى ذلك إلى تغيير الإيمان الأمريكي بالتبشير بالديمقراطيّة. وبناءً على ذلك، فإنّ السّياسة الأمريكيّة الخارجيّة قد انعطفت 180 درجة. ففي حين كانت تحتفي بالديمقراطيّة بكلّ مجدها مسوِّقةً فوائدها في المنطقة، فإنّ الولايات المتّحدة الآن تقرُّ بأنّ محاولة تسويق الديمقراطيّة في الشّرق الأوسط قد تسبّبت في الاصطدام وجهاً لوجهٍ مع مصالح الأمن القومي الأمريكي، فباتت أنظمة الاستبداد القمعيّة الآن أفضلَ حليفٍ لواشنطن؛ إذ تضمن أنّ المصالح الأمريكيّة تأتي أولاً. وتقدّم تجربة الإسلاميين في العديد من دول الشرق الأوسط، وخاصةً مصر، خلال ما يزيد عن عقدين من الزّمن بقليل، مثالاً على قمع الأحزاب الإسلاميّة الديمقراطيّة، وتؤكّد أنّ المنطقة لا تزال تعاني من مرض الاستبداد والجبانة.

الإخوان المسلمون في مصر

في كتابه إغراءات السّلطة الإسلاميّون والديموقراطيّة غير الليبراليّة في الشّرق الأوسط يرى شادي حميد أنّه لا يمكن لليبراليّة أن تشمل الإسلام السّياسي، وصحّة هذا الادعاء من عدمه مطروحةٌ للنقاش، لكنّه من المؤكّد أنّ الإخوان المسلمين في مصر التزموا ببعضٍ من عناصر الليبراليّة في صعودهم إلى الحكم، مثل حريّة وجود جسمٍ معارض، والانتخابات الحرّة والنزيهة. في عام 2011 فتح الرّبيع العربي باباً لطالما انتظره الإخوان المسلمون بتلهّف، فبعد عقودٍ من القمع الاستبدادي في مصر وجد الحزب نفسه أمام فرصةٍ تتعدّى مقاعد البرلمان إلى فرصةٍ بالحكم الرئاسي في أوّل انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهةٍ في تاريخ مصرَ الحديث، وفي يونيو/حزيران 2012 صعد محمّد مرسي والإخوان المسلمون إلى الحكم.

وبعد شهور قليلة لاحقة، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، منح مرسي نفسه سلطةً تنفيذيّةً تمنحه تجاوز الإجراءات القضائيّة التقليديّة. فقد سعى مرسي لأن يضع مستقبلَ الدّستور المعدَّلِ حديثاً، ليكون خاضعاً لتصويت العامّة، الخطوة التي سينظر المحلِّلون لها على أنّها تنبؤٌ حاسمٌ لما كان سيحدث لاحقاً في يوليو/تموز 2013 بإسقاط حكومة مرسي بانقلابٍ عسكري. ووسط الانتهاك الفاضح لحقوق الإنسان فإنّ صمْت الولايات المتّحدة أصمَّ العالم قبل و خلال و بعد الانقلاب، بل إنّ وزير الخارجيّة الأمريكي جون كيري ذهب أبعد من ذلك باتجاه تأييد الانقلاب، حيث قالَ أنّ الجيش في الواقع.. يستعيد الديمقراطيّة. فيما رحّبت المصالح الأمريكيّة بالتّدخّل العسكري دون الالتفات إلى طبيعة التّدخّل غير الديمقراطيّة، وكلفتِه على المستوى المدني.

كان فهْم محمّد مرسي خاطئاً لما آمن بوجود السّيادة المصريّة، في وقتٍ كانت مصر فيه على مفترق طرق في تاريخها المضطرب، لقد كان مرسي عبئاً من وجهة نظرٍ أمريكيّة، عبَّر عنها شادي حميد بأنّ النّموذج المعياري لمرسي كان إمّا تركيا أو قطر، بلدانٌ ارتبطت بالولايات المتّحدة عسكريّاً واستراتيجيّاً، لكنّها في ذات الوقت قادرةٌ وعازمٌة على تأسيس نفسها كدولٍ مستقلّةٍ وقوىً إقليميّة، على الرّغم من التّبرُّم الأمريكي بين حينٍ وآخر. إنّ جغرافيّة مصر الاستراتيجيّة وسياستها المفعمة بالحيويّة في المنطقة لم تكن مكاناً مناسباً لتجريبِ الإسلاميين. أمّا إسرائيلُ التي لا يفصلها عن مصر سوى شبه جزيرة سيناء، فلم تعُد تنعم بمصرَ طيِّعةٍ كما عهدتها خلال عقود حكم نظام مبارك. كانت الولايات المتّحدة جازمةً فيما يخصُّ اعتبار مصرَ لاتفاقية كامب ديفيد للسّلام و للتّعاون مع إسرائيل. إلّا أنّ الرّئيس مرسي كان له مخططاتٍ أخرى، فبعد أشهرٍ من الانتخابات، زار مرسي طهران لحضور قمّة حركة عدم الانحياز، التي عكست تحوّلاً كبيراً في السياسة الخارجيّة بعد عقودٍ من التملُّق لواشنطن.

ويرى البعض بأنّ الإطاحة بمحمّد مرسي جاءت نتيجة احتجاج شعبي، وهذا صحيحٌ إلى حدٍّ ما، لكنّني أرى أنّه جاء نتيجة نفاد صبرٍ مع الإسلاميين، استحثّها خصومهم في السّياسة، واصفينها بأنّها نزعةٌ نحو سُلطةٍ مطلقةٍ وحاجةٍ لإقصاء الخصوم، التي من شأنها اختصار التجربة الديمقراطيّة. واليوم أصبح جليّاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى أنّ كثيراً من الذين أشاروا إلى تخطّي حكومة مرسي حدودها تراهم اليوم صامتين بخصوص الحكم المستبد لعبدالفتاح السيسي والسجلّ المروّع لحقوق الإنسان. وقد جمعت ميريدث وييلر مع شادي حميد النّقاط التي أحرزها مرسي خلال فترة حكمه تبعاً للمؤشّر الرّابع للكيان السّياسي، أحدِ المؤشّرات واسعة الاستخدام في قياس الأتوقراطيّة والديموقراطيّة. وتقيس الدّراسة ثلاث مؤشّراتٍ مفتاحيّةٍ للديموقراطيّة – ما إذا كان الرئيس مُنتخباً أو مُعيّناً، والقيود المفروضة على الحكومة، والانفتاح للمشاركة السّياسيّة.

undefined

وخلُصت الدّراسة إلى أنّ "سنَة مُرسي في الحكم كانت أنوقراطيّة – بمعنى أنّها كانت ديموقراطيّةً بطريقةٍ ما وأتوقراطيّةً بأخرى، وإضافةً إلى ذلك فقد أشار الباحثان إلى أنّه "على خِلاف الحكومة الحاليّة المدعومة من الجيش، فإنّ حكومة مرسي لم تتبع أسلوب القمع المنهجي وسجن المعارضين. فيما وازن نظام الأغلبيّة -الفائز يأخذ كل شي الذي اتّبعه مرسي- ما أسماه ناثان براون الدّولة الواسعة، إذ تشمل المؤسسات العسكريّة و الأمنيّة، وسلطة قضائيّة قويّة، ونخبة رجال الأعمال"، وتوجد تفاصيل أخرى في دراستهم المعنونة هل كان محمد مرسي أتوقراطيّاً؟. ومع ذلك، فإنّ انتخاباتٍ حرّةً ونزيهةً أدّت إلى سنةٍ من الحُكم الديموقراطي في مِصر. وفي دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأكبر خاصةً، فإنّ حصيلة انتخاباتٍ حرّةٍ نزيهةٍ كانت غالباً ما تكون لصالح فوز الأحزاب الإسلاميّة. ومع ذلك، فالنّجاح الانتخابيّ لحزبٍ إسلاميً حاكم في دولةٍ ما لا يعتبر دلالة على حكمٍ ليبرالي، وهناك العديد من الأمثلة في التاريخ الحديث والمعقّد للمنطقة تشير إلى هذه الحقيقة.

برهن الإسلاميون في مصر على كونهم تهديداً بارزاً للمصالح الأمريكيّة، وفي المقابل فإنّ السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة لم تعُد تُثَّمِّن الانتخابات الحرّة والنزيهة في دولٍ رئيسيّةٍ عدة؛ إذ إنّ انتخاباتٍ كهذه تضع مصالحها في خطرٍ وتهدّد حلفاءها، ولم تعد الولايات المتّحدة ترى بأنّ حصيلة الحكم الليبرالي مثمرة كحصيلة الطّغاة المستبدين العازمين على صنيعٍ يخدم المصالح الأمريكيّة قصيرة الأجل، وطالما ظلّت هذه الأنظمة تقوم بخدمة المصالح الأمريكيّة في المنطقة، فإنّ هذا سيعرّض المستقبل لتعاونٍ أمريكيٍ طويل مع هذه الدّول، مما يؤلِّب الولايات المتّحدة ضدّ إرادة الشعب المضطهد، الشّعب الذي سيتغلّب حتماً على طُغاته لينعم بسيادة سياسيّةٍ في العقود المقبلة. وسواءً عن طريق التّدخل الأمريكي أو بسبب رفض دولة العسكر للأيديولوجيّة الدينيّة تجد الأحزاب الإسلاميّة نفسها في محاولاتٍ دائمةٍ لتبنّي العمليّة الديمقراطيّة وممارستها، لفائدةٍ قليلةٍ أو حتى معدومة. والحقيقة في العالم الإسلامي أن الانتخابات الحرّة عنت دوماً انتصاراتٍ للإسلاميين، إلّا أنّ السؤال الملِّحّ يظلّ ما إذا كانت النتيجة ستبقى قائمةً أم لا؟