مغامرٌ لا مقامرٌ.. ملامحٌ من التاريخ

blogs محمد الفاتح

لكلّ حُلمٍ ثمن ولكل طريق مخاطرة، ولأنّنا في سفر طويلٍ مُستمرّ ومُتغيّرٍ في مساحات الزّمان، المكان، الحروف وحتّى المعنى، نسعى دائمًا للتّجديد؛ بحثًا عن الكرامة وفرارًا من الرّتابة والأمن المتوهّم، فندفعُ من أجل ذلك أثمانًا باهظة؛ لأنّنا نخاف العَفن، عفن الأفكار والأرواح قبل عفن الأجساد. 

 

إلاّ أنّ من النّاس من يهوَوْن التمسّك بمعايير "الوضع الطبيعي" المزعوم على المجازفة من أجل التغيير، ولعلّ وصفهم بـ"المحافظين" سيكون أنسب؛ لأنّهم يميلون إلى الحفاظ على حياتهم كما هي، ليس إيمانًا منهم بها وإنّما خوفًا وضجرًا من نقدٍ أو تغيير مآله مجهول، يرجون السّلامة ويخافون الاصطدام بالجماهير ولا يجدون في أنفسهم حرجًا من شكل المجتمع مهما ساء وضاق بهم. يلتزمون بما يسمّونه أخلاقيّات النّجاة، قد اعتادوا المتردّية والمُنْخَنِقَة والنّطيحة وما أكل السّبع، معتقدين بذلك أنّ كل مغامرٍ مقامر، وبالتالي ما هو إلاّ مشروع خاسرٍ جديد، وأنّ كلّ منتفضٍ لا شكّ مهزوم، يغرقون في لحظات الزّمن علّهم يضربون بجذورهم فيها متناسين أنّها ليست مساحات بل محضُ لحظات قد تنقلب عليهم في أيّ لحظة، يُقيمون حائطًا من الوهم ليتحصّنوا به وما هم في الحقيقة بآمنين. ما أدركوا أنّ الاستقرار ليس الأصل في الحياة؛ فاُنظر إلى الماء الرّاكد كيف يأسُن فلا يَنبتُ منهُ حبًّا، وإلى أجساد المغيّبين عن الحياة كيف تتصلّب حتّى تتعفّن، وإلى الأرض التي لا تُحرث كيف تبور!

 

الحدُّ الفاصل بين المغامرة والمقامرة
إن كان المرؤ يريد فعلاً خدمة أهدافه وبلوغ المرام، ثمّ إنّ المغامرة تحتاجُ تضحية، تضحية بالوقت والمال والمتعة وأوقات الرّخاء، وإلى الكثير من الجهد والتعب

وبين المغامرة والمُقامرة خيطٌ رفيعٌ ومساحة دقيقة فاصلة، تختلطُ على النّاس موازينها كاختلاط لفظ حرفَا الغين والقاف فيها عند بعض العرب فتتشابه عليهم الحروف وتتداخل المفاهيم. والحقيقة أنّ المغامر يجازفُ ليجد لا ليخسر، طموحٌ لا يخضع لما يفرضه عليه الواقع، جريء يسعى دائمًا للذّهاب لأماكن أبعد غورًا وأكثر نورًا، لا تُعجزه القيود وإن هي عليه استحكمت وثاقها، ملمٌّ بتفاصيل الطّريق، يضعُ نصب عينيه كل الاحتمالات، يعي ما يريد ويحفظ جيّدًا سُبل الرّجوع، يُطيل بقامته ليرى أبعد من حدود بصره، يقدم ولا يؤخّر، يزاحم النّاس فيقبلُ عليهم ولا يُدبر، يتفاعل ويستفيد من التّجارب والعوامل المتاحة حوله ليقتنص الفرص إن هي بدت له، كان قد اتخذ يومًا له من غيره قدوة حتى بات هو قدوة. أمّا المقامر فواهمٌ قد أدرك الهاوية، أضاع خطواته في غمرةٍ من اليأس وغسل عقله بالحماقات ثم نشره على حبال واهنة إلى أنْ جفّ وذوي وسقط به في أرضٍ رخوةٍ لا ثبات عليها ولا أساس، وقد أوجز الفيلسوف الألماني شوبنهاور حين وصف المقامرة بكونها "إفلاس عقلٍ عند المقامر"، كارهٌ بطبعه ومنعزل، يودُّ لو يقيم بينه وبين النّاس جدارًا فيتوارى عن الأنظار. 

 

إذن هم أصناف ثلاثة: محافظٌ، مغامرٌ ومقامر. ولمّا كان واقعنا منفلتٌ من بين أيدينا، متغيّر، فإنّ المغامرة تبدو دائمًا قرارنا الأنسب ومنفذنا حين يشتدُّ ضيق الواقع أو ربّما خيارنا الأفضل حتّى في اتساعه، كما أنّها في غمرة التحولات المتسارعة ستكون للمحافظين واقعًا يفرضُ عليهم في لحظة تنقلب فيها الموازين وإن لم يختاروها بملئ إرادتهم؛ فالأفعال الرتيبة الآمنة في فترة ما قد تصبح أفعالاً مغامرة بل تحمل خسائر كبيرة؛ لأنّهم قد اختاروا بسذاجة التشبّث بواقعٍ يطلبه الفناء. 

 

ملامحٌ من التّاريخ الإسلامي

والتّاريخ الإسلامي يحفل بمواقف كثيرة لشخصيّات جريئة اختارت المجازفة دربًا لها على القعود أو التّراجع، على الاستسلام للواقع الذي يُفرض عليها والخضوع للمستبدّين..

 

حادثة قتل سَلام بن أبي الحُقَيْقِ

لو نتأمّل مثلاً حادثة قتل اليهوديّ سَلام بن أبي الحُقَيْقِ الذي طغى وبغى واشتدّ ظلمه وأذاه على الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- ومن معه من المسلمين، وما انطوت عليه من مواقف تستوجب الكثير من الجرأة والشجاعة، النّباهة والكياسة، وما فرضته من مجازفة من أوّل خطوة فيها حين اقتحام عبد الله بن عَتيك الحصن ثمّ تسلّله إلى بيت سلام بن أبي الحُقَيق حتّى قتله له، ورغم كسر ساقه ما غادر الحصن حتّى تأكّد من مقتله حين نادى الناعي في الناس، فقال‏:‏ أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز.. فبَنِي الخزرج هنا وبالرّغم من معرفتهم لما ينطوي عليه هذا الأمر من خطورة إلاّ أنّهم فضّلوا المغامرة بحياة ثلّة من شبابهم على الخنوع وتقبّل الظّلم والجور بشكلٍ مستمرّ، وعبد الله بن عتيك لم يمنعه الكسر في ساقه من متابعة ما قَدِم من أجله والتثبّت من قتله لليهوديّ فظلّ في جحر العدوّ وما برح.

 

السلطان محمَّد الفاتح وفتح القسطنطينية

في واقعة فتح القسطنطينية أيضًا، حين اشتدّ دفاع البيزنطيون وظنّوا أنهم مانعتهم حصونهم، فاستعصت على العثمانيين وفشلوا في اقتحامها، لا سيما من ناحية مضيق البوسفور، برزت بداهة السلطان محمّد الفاتح وفطنته، فقرّر أن يغامر مغامرة لم يُشهد مثلها قبلاً بنقل السّفن من مرساها إلى مضيق القرن الذهبي؛ لمهاجمتهم من خطوطهم الخلفية حيث الأسوار المنخفضة والتحصينات الضعيفة، ولكن جرًّا على الطريق البرّي على غفلة من العدوّ مسافة تعادل ثلاث أميالٍ، ولم تكن أرضًا مبسوطة ولكنها كانت وهادًا وتلالاً غير ممهدة تستلزم تسويتها وتمهيدها. صحيحٌ أنّها تطلّبت جهدًا ووقتًا لنقل أكثر من سبعين سفينة، لكنّها كانت معجزةً تجلّت فيها سرعة التخطيط والتنفيذ، جعلت الروم يذعنون لها. فلو أنّه لم يُقدم على هذه المجازفة لضاقت عليه السّبل ولما استطاع تحقيق النّصر في الختام.

 

وهي الحياة هكذا تتطلّب دائمًا نوعًا من المغامرة، وإلى جرعات من الشجاعة والإقدام. إن كان المرؤ يريد فعلاً خدمة أهدافه وبلوغ المرام، ثمّ إنّ المغامرة تحتاجُ تضحية، تضحية بالوقت والمال والمتعة وأوقات الرّخاء، وإلى الكثير من الجهد والتعب.. بشرط أن تكون مدروسة؛ حتّى لا تدخل في نطاق المقامرة، وقد صدق من قال: "إنّ الشجاعة أن تُقدم حيث ترى الإقدام عزماً، وأن تُحجم حيث ترى الإحجام حزمًا".