عن حكاية واقعية بين ابن وأبيه

لم تكن علاقتي بوالدي جيدة إلى الحد الذي يجعلني ولدا مطيعا، إنها كانت أسوأ مما يُتصور، ربما كنت مسخوطا في نظره دون سبب مقنع، كانت علاقتي معه تتوتر بين الفينة والأخرى لأسباب تافهة طوال الفترة التي قضيتها في كنفه، ولعل عقلية والدي تتحمل مسؤولية تمردي عليه، وابتعادي عنه، وأضحى التواصل معه منحصرا في التحية فقط، لم أكن أتصور أن علاقتي معه ستصل إلى هذا الحد من الانقطاع، لكنها الحقيقة، لأنني لا أتحمل تسلطه، وهو بدوره لا يتحمل تمردي الذي لا ينتهي، ورغم كل ما قلت، إلا أنه يظل والدي، وأنا أفتخر بأبوته، فلولاه لما كنت الآن كما أنا، وأنا أشكره لأن قساوته معي علمتني أن أكون قويا صارما وقاسيا أحيانا، أشكره لأنه وقف بجانبي حتى أنهيت دراستي، أنا ممتن له حقا في كل ما فعله من أجلي وحتى ما لم يفعله من أجلي، ربما لم يكن الأب المثالي، لكنني أيضا لست الابن المثالي، وفي جميع الأحوال أنا مدين لوالدي.

 

لم تؤت تربية والدي لي أكلها رغم كل المحاولات، ورغم كل ما كان يفعله لهذه الغاية، لكي أظل خاضعا لسلطانه، والحقيقة أنني لا زلت وفيا لاحترامه وتقديره، وفي حضرته لا أتمرد، بل أكتفي بالصمت حتى لا أزيد الطين بلة، أفعل ذلك لكي أتجنب الوقوع في مشاكل أخرى معه، ربما والدي كان مخطئا لما رباني على الخوف والخضوع، بدل تربيتي على الجرأة والشجاعة، والحقيقة أن هاتين المسألتين تعلمتهما بمفردي، والحياة هي من تكفلت بتعليمي ما فشل أبي في تزويدي به، ولكن في حضرة والدي لا أكون شجاعا بل أضطر خاضعا لمسايرة جلساتنا معه، رغم أن الصمت يسود هذه الجلسات.

 

لقد كنت ابنا شقيا لوالدي على عكس بقية إخوتي، وأشعر الآن بأني خرجت عن دائرة أهلي، ولا أندم على ذلك، وما أندم عليه هو أنني لم أستطيع أن أجعل علاقتي معهم تساير ما ينبغي أن يكون

لما كنت صغيرا، كان لدي أخوان يكبرانني، وكنت مقربا جدا من والدي، وكان يمنحني من الحنان ما يكفي لكي أستشعر بأبوته، لكن لست أدري إن كان كل ما يفعله بسبب كوني صغيرا، وربما هذه هي الحقيقة، وهكذا يفعل الآباء مع أبنائهم الصغار، وقد حضيت بنصيبي من ذلك لما كنت في السن المناسبة لذلك، كما أنني لم أنسى أن هذا التمرد الذي يطال علاقتي بوالدي تعلمتها منذ الصغر، فقد حدث ذات يوم أن ضربته بحجر صغير، ولم أعد أتذكر السبب الذي دفعني إلى ذلك، لكن ذاكرتي لا تزال تحمل بين طياتها تلك الذكرى التي لا أدري كيف أصفها، ولعلها قد تكون سببا فيما أصابني من تمرد، والذي أقطف ثماره الآن بكل ما أوتيت من عنفوان.

 

لم يكن والدي متحفظا إلى تلك الدرجة التي يكون عليها الآباء المتحفظون، بل كان متحررا وكان يحب أن يستمتع بوقته، لكن في علاقته بنا لم يكن على ما يرام، لقد كانت علاقته معنا تتأسس على الخوف والخضوع، وربما بسبب كونه كبر يتيما بعد أن مات جدي وهو في سن السادسة، ربما ذلك جعله قاسيا معنا، وربما كبر قبل آوانه، فلم يتعلم الطريقة الصائبة في تربية الأبناء، أو لعل كل الطرق السائدة في مجتمعي لم تكن صالحة لكي يتم بها تربية الأبناء، لأنها مبنية على الخوف والخضوع، وهو أمر لا يليق بالتربية، لأنه سيدفع الأبناء لتعلم الخضوع والخوف، ولن يمتلكوا من الجرأة والشجاعة ما تتطلبه الحياة، ولعل ذلك كان سببا في هذه الحالة المتأزمة التي يعيش عليها الأفراد في مجتمعنا، وكان حريا أن نرى العديد من الشخصيات في مجتمعنا ضعيفة إلى درجة لابأس بها.

 

لقد كنت ابنا شقيا لوالدي على عكس بقية إخوتي، وأشعر الآن بأني خرجت عن دائرة أهلي، ولا أندم على ذلك، وما أندم عليه هو أنني لم أستطيع أن أجعل علاقتي معهم تساير ما ينبغي أن يكون، لم أستطيع ذلك بسبب تمردي، ويكفي أن علاقتي مع والدتي في أعلى مستوياتها، وإخوتي أيضا تجمعني بهم علاقة مبنية على الاحترام المتبادل، رغم أنني لا أتواصل معهم كثيرا، لقد أصبحت مستقلا عن عائلتي، ولعلني أستشعر نوعا من الغربة في هذا المصير، لكنه كيفما كان، يبقى أفضل مما كنت سأكونه لو استمررت في الخضوع الذي يلاحق الأفراد وسط هذا المجتمع البئيس، وذهبت بعيدا في تمردي، فلم أعد أكترث لأعراف قبيلتي ومجتمعي، وكل ما يهمني هو أن أحيا كما أريد.

 

لست أدري إن كان هذا الانقطاع الذي يطال علاقتي بوالدي صائبا، بناء على الأسباب التي أدت إليه، يبدو حتما أنني سألقى نصيبي من الندم عندما سيغيب فيها والدي عن وجودي، لأنني اعتدت الحياة في هذا الصراع الغامض الذي يجمعني به، قد أندم حقا، لأنني لم أتعامل مع والدي كما كان يريد، ورغم أنه يتحمل السبب فيما أنا عليه بسبب تسلطه الزائد عن حده، إلا أنني بدوري لم يكن يجب أن أخرج عن السيطرة إلى هذا الحد، بعد ما كان ممكنا أن أحافظ على علاقتي به، وأن أكون مقربا منه، لكي نعيد ترتيب حكايتنا، ونصوغها بشكل مقبول، ولعل العناد الذي تعلمته منه، جعلنا لا نقوى على ذلك التفاهم الذي من شأنه أن يعيد إحياء روابط تلك العلاقة التي كانت تجمعني به أيام الصبا.

 

قبل الآن، كنت أعتقد أن والدي سيتغير تجاهي، لأسباب مقبولة، لكن الحقيقة أن بداخله رفض وعناد غير مبرر، فلا يدعه يقبلني بكل ما أتيته من تسامح، أو لعله الحقد الذي ينشأ في أفراد هذا المجتمع لأسباب تافهة، نشأ فيه حقد تجاهي منذ أول يوم عكرت له مزاجه بسبب تصرفاتي الطائشة، وكيفما كان الحال لم أكن أرغب في كل ما وصلت إليه، رغم أن بالي مرتاح بعيدا عنه، كان ممكنا أن أبتعد عنه في ظل علاقة جيدة، لكن الحكاية لا تقبل المعادلتين، وأنا الآن قلما ألتقي به، وعلاقتي به أعترف أنها سيئة جدا، وهذا الأمر لا يليق بعلاقة تجمع بين ابن وأبيه، لأنه في الأصل وجدت هذه العلاقة لكي تكون تكميلية، ومبنية على كل ما يجب أن تكون مبنية عليه، لكنها خرجت عن سيطرتنا، وهذا لن يمنعني من الأمل في أنها قد تعود المياه إلى مجاريها في يوم من الأيام.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

منذ القِدم كان الحديث عن "القدوة" ودورها في التربية، كونها أحد أهم الأساليب التربوية التي من شأنها تغيير سلوك الأفراد للحالةِ التي يقوم بها ذات الشخص "القدوة" إيجاباً أو سلباً

الأكثر قراءة