مفهوم الحرب في الفلسفة السياسية

يرتبط مفهوم الحرب في العديد من الأحيان، بمفهوم آخر ملازم له، وهو مفهوم السلم. وقد يبدو من الوهلة الأولى أن المفهومين لا ينفصلان عن بعضهما البعض وذلك باعتبار أن الواحد منهما يعتمد في بنائه وتأسيسه على الآخر، أي أنه لا يمكننا الخروج من حالة السلم إلا بالدخول إلى حالة الحرب، ولا يمكن مغادرة الحرب إلا بالاتفاق على شروط السلم.

  

قد يكون هذا الكلام صحيحًا إلى حد ما، ويصح هذا القول في تلك الحالات التي تبدأ فيها الحرب بدون مقدمات. لكن بعض الفلاسفة، ومنهم روسو، يميزون بين مختلف الحالات الوسيطة التي تقع بين الحرب والسلم. وفي ذلك يقول روسو بأنه يمكن أن يتم خلق اضطراب والتأثير على سير الحياة العامة وخلق تشويش وفوضى، لكن دون بلوغ حالة الحرب تلك.

    

إذا أردنا أن نتحدث عن الحرب والسلم، والعلاقة بينهما، ومدى ارتباط الواحد منهما بالآخر داخل مجال التفكير الفلسفي، فإن الرحلة الفلسفية ستعود بنا إلى البوادر الأولى للمفهوم: لقد ارتبطت الحرب لدى اليونان القدماء بالعديد من المفاهيم، أولها مفهوم البطولة. إن اليونان أعلَوا من شأن البطل، وجعلوه شبه مقدسٍ لديهم. إن البطل اليوناني هو ذلك الرجل الذي يُقبل على مصيره التراجيدي سامعًا طائعًا دون مقاومة. كما ارتبطت الحرب في المرحلة اليونانية أيضًا بالمرويات الشعرية التي تحكي عن الملاحم الكبرى، وعن شجاعة اليونانيين الذين قدموا أرواحهم فداء للحروب لأجل نيل لقب البطولة. ونرى في هذا السياق، كيف اكتست الحرب طابعًا بطوليًا تمنح لأصحابها المجد، وتجعل أسماءهم خالدة في أشعار هوميروس، ليترسخوا بذلك داخل الذاكرة الجماعية.

  

الفترة التي اقترنت بالمسيحية في تاريخ الفلسفة، تم إضفاء الطابع الديني على فكرة الحرب. فأصبحت الحرب في هذه اللحظة مرتبطة بالأمور الثيولوجية، أصبحت الحرب تُعلن باسم الإله، وتنتهي باسمه أيضًا

بكل تأكيد فإن ارتباط الحرب بالبطولة والتراجيديا لم يستمر هكذا. وقد توقفت محاولة بلوغ البطولة المأساوية عن طريق الحرب، حينما تم اللجوء إلى بطولة من نوع آخر، يمكن أن نسميها تجاوزًا "البطولة السلمية"، وهي تلك اللحظة التي تقرر فيها استبدال البطولة التي ارتبطت بالسيف، بالبطولة المرتبطة بالمحراث. ومعنى ذلك أن البطل لم يعد إطلاقًا ذلك الذي يضحي بحياته، بل هو ذلك الذي يحافظ على حياته لكي ينتج من أرضه أكثر الموارد.

  

هذه كانت المرحلة اليونانية، بمفاهيمها، وأبطالها وأشعارها الملحمية. بعد ذلك في المرحلة الوسيطة، وهي الفترة التي اقترنت بالمسيحية في تاريخ الفلسفة، تم إضفاء الطابع الديني على فكرة الحرب. فأصبحت الحرب في هذه اللحظة مرتبطة بالأمور الثيولوجية، أصبحت الحرب تُعلن باسم الإله، وتنتهي باسمه أيضًا، إن الحاكم في العصر الوسيط، والذي كان يتخذ شكل ملك أو إمبراطور، كان يقوم بتنصيب نفسه صورة للإله في الأرض، أي أنه هو الممثل الحصري للإله ورغباته وأوامره ونواهيه، وبذلك فإن هذا الملك أو الامبراطور، كان يملك الحق الحصري في إعلان الحرب على الذين يدخلون ضمن فئة "غير المؤمنين". كما نعلم أيضًا أن الأمر لم يكن مقتصرًا على الديانة المسيحية، فحتى في الديانة الإسلامية توجد أشياء على هذه الشاكلة، ولا يجب أن يثير عجبنا هذا التشابه، نظرًا لارتباط الديانات السماوية بعضها ببعض. وهنا يمكن الاستعانة بكل من ابن خلدون، وتوما الإكويني، والقديس أوغسطينوس، كما يمكننا اللجوء دائمًا إلى ماكيافيلي.

 

إن أول ما يمكن ملاحظته بعد مرور العصر الوسيط والانتقال إلى الفترة الحديثة، هو أن فلاسفة العصر الحديث قد دشنوا تنظيرهم للمسألة بمحاولة أولى لدفع الحمولة الثيولوجية عن السياسة. أي أنهم حاولوا نزع عباءة الدين عن السياسة، وقد استعانوا في هذه العملية بمفهوم القانون الطبيعي من أجل إخفاء علمنة السياسة. وقد حاولوا بذلك تجنب الدخول في المزيد من الحروب الدينية، لكن هذا الأمر لم يكن كافيًا لإيقاف الحروب بصفة كاملة. وبدل ذلك، فقد انتقل تبرير الحرب من اللجوء إلى استخدام حجج دينية إلى مبررات سياسية محضة.

 

ولا يمكننا المرور هنا دونما الحديث عن توماس هوبز، الفيلسوف الذي قام بإرساء دعائم الفلسفة السياسية على أسس عقلانية، ويمكن استدعاء أفكار توماس هوبز باعتبارها، بطريقة أو بأخرى، تجد، أو تحاول إيجاد، مبررات لإيقاف الحرب. إن توماس هوبز باعتباره مدشنا لفكرة العقد الاجتماعي، لم يكن يملك أية مشكلة في طغيان الحاكم أو استبداده، فـ"اللفايتن" الهوبزي يملك الحق المطلق للتصرف كيفما يشاء، ومادام يحافظ على أمن واستقرار الرعية، فليس لها أن تحتج أو تثور ضده.

 

هل يمكن أن نلوم هوبز الذي يقدم لنا هذا الرأي الذي يبدو متطرفًا؟ إن كل ويلات الحروب التي شهدها هوبز جعلته يخشى على نفسه وعلى الآخرين شر اندلاع حرب أخرى، لذلك فقد أعطى للحاكم رفاهية الاستبداد مادام يوفر الحماية اللازمة لمواطنيه. لكن في نفس الوقت، لا يجب اختزال فلسفة هوبز كاملة في هذه الفقرة القصيرة، فالأمر أعمق وأكثر تعقيدًا مما يبدو عليه.

 

هوبز يرى بأن حالة الطبيعة هي حالة حرب دائمة، وبذلك فالحرب هي أمر ينتمي إلى الطبيعة البشرية. بينما يرى روسو عكس ذلك تمامًا

فيلسوف آخر من الفلاسفة الذين تحدثوا عن مسألة الحرب والسلم هو السويسري جان جاك روسو. ويرى روسو بأن طبيعة الكون تقتضي أن يوجد صراع دائمًا. وذلك راجع لعدم إمكانية استمرار الجميع في سعادة أبدية مُطْلَقة. إضافة إلى أن سعادة الواحد دائمًا ما ترتبط بتعاسة وشقاء الآخر. ويؤدي هذا الأمر إلى كسر سيرورة السلم الذي يتمتع به الطرف الذي يتعرض للأذى! وهذا هو مكمن نشوء الصراعات والنزاعات. هاته الصراعات التي تبدأ في حالة أراد الطرف المعتدى عليه أن يدفع عن نفسه ذلك العدوان.

 

لكن رغم ذلك، فإن هذا كله غير كافٍ لإعلان انطلاق الحرب حسب روسو. وهنا نرى أن هوبز وروسو يختلفان من حيث نظرتيهما لارتباط الطبيعة بالحرب، فهوبز يرى بأن حالة الطبيعة هي حالة حرب دائمة، وبذلك فالحرب هي أمر ينتمي إلى الطبيعة البشرية. بينما يرى روسو عكس ذلك تمامًا. ويقول روسو بأن كل الحروب والصراعات، هي ليست سوى نتيجة لتأثير المجتمع على الإنسان، أو بصيغة أخرى، فإن الإنسان يكون بريئًا، فيأتي المجتمع ويسدي له خدمة جليلة، وهي أنه يجعله كائنًا فاسدًا.

 

لم يكتفي روسو هنا بالحديث عن الحرب، شرحا وتعريفا، بل تجاوز الأمر عن طريق تقديمه لمقترح لحل لهذه الأزمة الإنسانية الكبرى. وقد اقترح لنا مشروعا لتحقيق السلام الدائم، مشروع أقول بأنه غير كوني لأنه يهم فقط الدول الأوروبية، بل ويهم فقط تلك الدول التي تقبل الدخول في الجمعية التي اقترحها روسو. جمعية بقوانين داخلية تمنع عليها مهاجمة بعضها البعض، وفي هذه المسألة الروسوية بعض النظر.

 

وقد سار على نهجه واتبع طريقه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، وذلك عن طريق تقديمه هو الآخر لمشروعه الخاص للسلام الدائم. هذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أهمية كل من مفهوم السلم والحرب داخل الفلسفة السياسية. وربما إن الأمر يمتد إلى الذين لم يُحسبوا في تاريخ الفلسفة على الفلسفة السياسية، فمنهم أيضًا من اهتم بموضوع الحرب وقاربها من وجهة نظره الخاصة، ويمكن أن نقدم مثالًا لذلك الألماني، أيضًا، فريديريك نيتشه.

 

نعلم جميعنا نظرة نيتشه للإنسان، ولإرادة القوة وأقتبس من كلام نيتشه هنا "أن يكون الواحد قادرا على المعاداة، أن يكون عدوا، يتطلب التمتع بطبع قوي، وعلى أية حال فإن ذلك أمر مقترن بكل طبيعة قوية، إذ هذه الأخيرة تحتاج إلى مقاومة، ولذلك تبحث لها عن مقاومة: النزوع العدواني ينتمي بنفس الموجب الضروري إلى القوة، كما تنتمي مشاعر الضغينة والنزوع إلى الانتقام إلى الضعف" إننا نرى بوضوح من خلال كلام نيتشه انتصاره للقوة والشجاعة، وهو انتصار، في عمقه، فيه نوع من الرد على الهيجيلية التي انتصرت عكس ذلك، للضعف والخضوع. من هنا يمكن أن يكون نيتشه عرابًا لتقديم الحرب كنوع من الانتصار، وشكل من أشكال القوة التي يجب أن يتمتع بها الإنسان.

   

في المرحلة المعاصرة، نجد مفكرين من نوع آخر، مفكرين انتقلوا من عملية تحليل الحرب، ومن محاولة الإجابة عن، هل هي من الطبيعة البشرية أم هي وليدة تأثير المجتمع؟ هل هي طريقة لإثبات القوة ودفع تهمة الضعف والعبودية؟ أم أنها فقط ضرورة وشر لابد منه؟ بدل التركيز على هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها تحت الشروط المعاصرة للتفكير، فقد تحول جزء كبير من النقاش، إلى البحث عن المبررات السياسية والأخلاقية التي تجعل من الحرب "أمرًا عادلًا". ويمكن الاستعانة هنا بالعديد من المفكرين المعاصرين منهم مايكل والزر من خلال كتابه الحرب العادلة وغير العادلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الحالة الإنسانية في اليمن من أصعب الحالات الإنسانية في العالم، تزداد الحالة الإنسانية سوءًا يومًا بعد آخر، أكثر من 18 عشر مليون إنسان بحاجة إلى الغذاء، وآخرون بحاجة للدواء.

نعم أعترف أني كنتُ أتحاشى ولوجَ بحر عينيك؛ لأني أدركُ أنَّ لغةَ العيونِ صائبةٌ لا تخطئ أبداً، وأنني فاشلةٌ بالتمثيل، وستخونني لغة جسدي وإيماءاتي عندما أقولُ أننا زُملاءُ لا أكثر.

الأكثر قراءة