السيسى.. لعنة الفراعنة التى أصابت ترامب

عتاد الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" الإثناء على رئيس مصر "عبد الفتاح السيسي"، وذلك رغم استيلاء الأخير على السلطة بانقلاب عسكري عام 2013. ذلك الانقلاب الذي لم يكن فقط على أول رئيس مدني منتخب في مصر، بل على التجربة الديموقراطية الوليدة بفعل ثورة 25 يناير 2011. فقد وصف ترمب السيسي بعدة صفات منها صديقي المقرب، رئيس عظيم يقوم بعمل ممتاز في مصر، ومؤخرا بكونه قائد عظيم يحظى باحترام كبير. إلا أن زلات لسان ترمب تكشف عكس ذلك، حيث وصف ترمب السيسي مرة بكونه قاتل لعين، ومرة بكونه ديكتاتوره المفضل.

    

ويواجه السيسي موجة جديدة من التظاهرات المناهضة له والمطالبة برحيله منذ العشرين من 20 سبتمبر 2019، وذلك بفعل المعدلات المتزايدة في ملفات الفقر والبطالة وغلاء المعيشة، والقمع وانتهاك حقوق الإنسان، فضلا عن الفساد المالي. وامتدت تلك التظاهرات من مصر إلى عدة دول منها الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شهدت مدينة نيويورك عدة تظاهرات مناهضة للسيسي، استمرت منذ اللحظة الأولى لوصوله إليها وعلى مدار تواجده بالمدينة لحضور اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة. كما امتدت من مطار جون فرانكلين كينيدي إلى مكان إقامة السيسي بنيويورك، ومن ميدان التايم سكوير وشوارع المدينة إلى مبنى الأمم المتحدة.

    

وفي الوقت الذي جرت فيه المظاهرات المناهضة للسيسي أمام مقر الأمم المتحدة، كان ترمب يلتقي السيسي داخل المبنى نفسه، وذلك يوم 23 سبتمبر 2019. وأثناء هذا اللقاء صرح ترمب أنه ليس قلقا بشأن المظاهرات المناهضة للسيسي. الأمر الذي اعتبره كثيرون بمثابة الضوء الأخضر الداعم للسيسي للاستمرار في سياساته القمعية.

    

وهناك عدة أسباب تجعل من تصريح ترمب هذا أمرا خاطئا. حيث يجب على ترمب – كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية – أن يتمثل ويدافع عن القيم التأسيسية لها ومنها الحرية، والديموقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان في أي مكان. كما يجب على ترمب أيضا الحفاظ على مكانة وريادة بلاده، والاستماع إلى الأصوات المعتدلة من الكونجرس وحلفائه ومنظمات حقوق الإنسان، والذين طالما انتقدوا الأوضاع في مصر تحت حكم السيسي، وعليه أن يبذل كل جهد للحفاظ على صورة جيدة لبلاده لدى شعوب العالم الأخرى ومنها الشرق الأوسط، وأن يثبت مصداقيته الشخصية ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، والأخذ في الاعتبار عواقب سياساتها الخارجية.

    

   

لكن على العكس من كل ذلك، جاء تصريح ترمب بشأن عدم قلقه من التظاهرات ضد السيسي ونظامه رغم حجمها وانتشارها، بمثابة مباركة لسياسات السيسي القمعية الاستبدادية. وعلى الرغم من أن ترمب يعتبر السيسي شريكا هاما في الحرب على الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية، فإن دعمه لنظامه قد يسهم في زيادة معدلات الاستقطاب وإنتاج أجيال جديدة من المتطرفين، وربما حرب أهلية في مصر تتسبب في عواقب وخيمة محليا وإقليميا وعالميا.

 

على كل حال، فإن الكثير من المصريين لا يكترثون لرأى ترمب، ولا يهمهم إذا كان قلقا من تظاهراتهم طلبا للحرية والديموقراطية أم لا. فبإمكان المصريين انتزاع حريتهم بأنفسهم. فهم لا ينتظرون مساعدة من ترمب الذي يترك المئات من مواطنيه الأمريكيين من سجناء الرأي لدى نظام السيسي دون أي دعم أو مساعدة، كما أن الكثير من المصريين لا يثقون في ترمب الذي لا يزال يدعم قاتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، على الرغم من إدانته بالإجماع من جانب الكونجرس والأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية. ويعزز ذلك تخلى ترمب عن السعودية بعد تعرضها لهجمات عسكرية موجعة من جانب الحوثيين، على الرغم من حصوله على مليارات الدولارات من أموالها بدعوى الحماية التي طالما تفاخر بها.

 

وبالمثل، فإن المصريين يدركون جيدا أن ترمب لا يمكن أن يدافع عن حقوقهم ولا أن يدعم نضالهم من أن الحرية والديموقراطية. فهو الذي أعلن مدينة القدس الفلسطينية العربية عاصمة لإسرائيل، وأقر بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية العربية، والذي يسعى لاقتطاع جزء من بلادهم لتوطين مؤقت للفلسطينيين، فضلا عن أن المصريين يدركون جيدا أن ترمب نفسه في حاجة إلى المساعدة لمواجهة مشكلاته الخاصة كالتهرب الضريبي، والتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لصالحه عام 2016، وأزمة أوكرانيا الحالية، وغيرها.

  

ويبدو أن المساندة التي أبداها ترمب للسيسي ونظامه قد أصابته بلعنة الفراعنة من مقابرهم الخفية العميقة ومن العالم الآخر. ففي اليوم التالي مباشرة لإعلانه عدم اكتراثه أو قلقه من المظاهرات المناهضة للسيسي ونظامه، أعلنت رئيسة الكونجرس "نانسى بيلوسى" بدء إجراءات عزل ترمب رسميا. وأخيرا فإن المصريين الذين استطاعوا الإطاحة بالرئيس "حسنى مبارك" بعد ثلاثين عاما من حكمه الاستبدادي، قادرين على أن يطيحوا كذلك بالسيسي ونظامه القمعي، بل واقتلاع الحكم العسكري من جذوره واستبداله بدولة مدنية ديموقراطية تكفل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وحقوق الانسان لكل مواطنيها، إنها فقط مسألة وقت واستعداد.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دولة محمد على الجديدة تكره الملك الفرعون والسلطان والرئيس وتدرك فرعونيته عن أجداده، فلن تمنحه السلطة من جديد لينكل بها ويهوى بها إلى أسفل سافلين.

هناك "ازدواجية المعايير" في السياسات الخارجية للديمقراطيات الغربية، وقد لا تبدو هذه السياسات مفهومة بالعالم العربي والإسلامي؛ عندما تتباهى بشعارات لا تتردّد السياسات ذاتها في انتهاكها في واقع الممارسة.

الأكثر قراءة