السودان والاستعمار الفرنسي الجديد

تطور الفكر الانساني حتى أنتج العديد من الأسس والمبادئ التي تبنا عليها التعاملات بين الاشخاص وبين الدول. ومن ضمن هذه التطورات تطور شكل الاستعمار حتى أنتج ما يعرف بالاستعمار الجديد الذي تقهر به الشعوب في عقر دارها ويسلبهم أعز ما لديهم. كما في المقابل ظل على الدوام أنتاج الفكر المناهض للاستعمار متجددا قادرا على صياغة نفسه للتصدي وإن طال الزمان.

   

ولفرنسا خبرة طويلة في فنون الاستعمار القديم والحديث للشعوب وسلبها حريتها وثرواتها وطمس هويتها. رغم زعمهم بأنهم يتعاملون بناء على القيم الانسانية فيستميلون الآخر بوعود الدعم الاقتصادي والدعم الثقافي والدعم العسكري، فهذا ما جاء من وعود على لسان الرئيس ماكرون بالدعم الاقتصادي للسودان بتقديم منحه ماليه غير مشروطه والمساهمة في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفي الجانب الثقافي قال ماكرون بدعم التعليم ودعم قيم الثورة، وفي الجانب العسكري قال ماكرون بدعم عمليه السلام ووعد بالمساهمة باستقرار السودان. وإن صح ذلك فإن فرنسا أخر من يقدم دروسًا مجانية في احترام حقوق الإنسان وتنمية أفريقيا.

  

في مقابل تلك الوعود بالدعم ستجني فرنسا مستعمرة جديدة لضخ الحياة في اقتصادها المأزوم، وستفتح المجال لكل الشركات الفرنسية وبالأخص التي تعمل في مجال التنقيب عن المعادن والمنتجات النفطية التي تشكل أهم وارداتهم، وستتمكن من الولوج إلى قارة عذراء في قلب القارة السمراء، قارة لا مثيل لها ولا حد لها من الموارد الطبيعية التي سوف تحصل عليها بأقل تكلفة ممكنه، وحينها يكون السودان مناطقة نفوذهم وسوقاً مفتوحاً لتصريف بعض الفائض من منتجاتهم.

 

كما ستجني فرنسا من هذا الفتح المبين توفير فرص العمل لأصحاب السترات الصفراء الذين ضاق بهم الحال في القارة العجوز، وأصبحوا ينعون في الشوارع لائكية البلاد وديمقراطيتهم المجيدة بعد أن سحقتهم النظم الرأسمالية بالضرائب وارتفاع الأسعار، وعندها يكون السودان هو الحاضنة الجديدة للفرنسين والمهاجرين العائدين والأفارقة الذين يحلمون بالهجرة إلى أوروبا، مما سيخفف الضغط السكاني على فرنسا وسوف يتم ذلك إما عن طريق التبادل الإجباري على حساب المواطن السوداني كما يحدث في تونس والجزائر والمغرب أو عن طريق النزوح الطوعي بحثا عن العيش الكريم .

   

  

كل ذلك سيودي إلى إجبار السودان لاحتضان الثقافة الفرنسية الامبريالية التي سوف تسعي لشرقنة السودان حتى يكون ملائما لهم، مما سيؤثر على الثقافة السودانية إما بالتهديد أو الإثراء للهويه السودانية، التي تكون باعتبارها في فترة استقبال وامتصاص تجريبي سلبي للثقافة الغربية التي تتعارض مع قيم الشعب السوداني التي في الغالب سوف تنتج اضطرابات اجتماعية وسياسية وصدام للحضارات. ولأن الفرق بين الثقافة الفرنسية والثقافة السودانية شاسع كالفرق بين النسوية الراديكالية والسلفية، لذا يجب أن يدار هذا التمازج الثقافي باحترافيه عالية منذ البداية مستصحبين التجارب السابقة لبلدان المغرب العربي التي تم فيها القضاء على ثقافتهم اللغوية والأنطولوجيا بصوره واضحة، واستصحاب تجربة مستعمرات أخرى ما زالت ترزخ تحت وطأة العبودية النقدية لفرنسا رغم استقلالها حتى الآن.

 

فرنسا حاملة لواء العدل والأخوة والحرية ما زالت تمارس الاستعمار الممنهج إلى يومنا هذا، وما زالت فرنسا تتحكم بعملة 12 بلداً افريقيا من مستعمراتها القديمة بشروط التبعية النقدية التي تفرضها على عملتهم الفرنك كنوع من العبودية النقدية، منها اشتراط طبع الفرنك الأفريقي فقط في فرنسا كما تفرض عليهم ربط الفرنك الأفريقي باليورو مما يجعل 12 دولة أفريقية لا تملك حق التدخل في سعر صرف عملتها وحتى صادراتها ووارداتها مرتبطة بفرنسا ولأن باريس هي التي تحدد سعرَ صرف العملة ولهذا انعكاس مباشر على قدرتها الاقتصادية، كما تلزم فرنسا تلك الدول بإيداع 50 في المئة من مخزونها من العملة الصعبة في البنك المركزي الفرنسي ولا يحق لتلك الدول استغلال ذلك المخزون الذي يمثل نصف ثروتها بل هو مخزون على ذمة الاقتصاد الفرنسي تتربح منه كما تشاء، وكان قدر هذا المخزون 12 مليار يورو لي عام 2014. ليس هذا فقط بل إن فرنسا تفرض تعيين مدراء فرنسيين في البنك المركزي لدول أفريقيا الوسطى والبنك المركزي لدول أفريقيا الغربية ويتدخل هؤلاء في القرارات بل يستخدمون حق الفيتو في وجه أي قرار لا يصب في مصلحة فرنسا، ولتك العبودية النقدية تبعات أخرى خطيرة. إلا أن هذا الموضوع يبقى من التابوهات في فرنسا، وظهور هذا الوعي وهذه المقاومة الحديثة للاستعمار القديم الحديث يعرض للخطر في كثير من البلدان.

 

ما لا يعرفه الكثيرون في الغرب بأن السودان حطم النظرية الداروينية التي تقول بان الضعيف دائما يسهل حكمه، وتاريخ السودان خير شاهد على مناهضة الاستعمار بشقيه الخارجي المتمثل في الاستعمار الانجليزي والتركي والمصري كما ناهض السودان الاستعمار الداخلي المتمثل في الدكتاتورية ثلاث مرات عبر حقب زمنية مختلفة كانت أولها في أكتوبر 1964 والثانية في ابريل 1985 والأخيرة في ديسمبر 2018، مما يدل على أن الشعب السوداني شعب يصعب الاستهانة به لوعيه التام بحقوقه وقيمة الراسخة في تكوينه الثقافي.

 

لذا يجب على فرنسا والحكومة الانتقالية في السودان الانتباه إلى قيم الشعب السوداني وحقوقه، كما يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار الهوية السودانية لا تقبل البتة بالتميز الأجنبي ورهن موارد البلاد ومصائر العباد لمستعمر لم تتعافي منه بلدان شقيقه رغم مرور السنوات. لذا يجب الاعتماد التام على الاستقلالية والتعامل مع الأجنبي وفق أسس محددة الصلاحيات تراجع بصورة مستمرة لضمان التنمية بشكل متوازن ومستقل عسى أن يصبح السودان الأندلس الجديد وفردوس بين أيدينا تزدهر فيه الحضارات.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة