فشل التغيير.. هل الجماهير هي السبب أم النخب الثقافية؟

blogs مجتمع

في الرياضة يملك المُناصر البسيط حق انتقاد أداء لاعب أو مدرب أو فريق في أعلى المستويات دون أن يخير بين التزام الصمت أو تقديم البديل بالنزول إلى الملعب. وفي الأدب يعتبر القارئ العادي مَلِكاَ يُعلِّق مثمِّنا أو منتقدا ولا يثير الأمر حفيظة الأديب، بل إنَّ الكاتب يعاني أزمة وجود في غياب قاعدة من القراء تتفاعل معه إيجاباً وسلباً. وفي السينما يكون الجمهور هو الفيصل يحكم على ممثل أو مخرج أو عمل سينمائي بالنجاح أو الفشل ويكون حكمه نافذا لا إعتراض عليه. رغم اختلاف المجالات إلا أن عرفاً مشتركا يخوِّل للجماهير العادية الحق في توجيه مسار النخبة، لكن في السياسة كثيرا ما تُسلب الجماهير هذا الحقَّ بحُجَّة ذمِّ الشعبوية والركون للعواطف اللاعقلانية. فهل كل النخب أكثر وعيا من العقل الجماهيري؟

عندما تسنح فرص التغيير بفضل الانتفاضة الشعبية تعجز بعض النخب السياسية أو الفكرية أو المتخصصة عن اقتناصها بتقديم الحلول وعرض البدائل، وتحت وطأة الحاجز النفسي الرافض للاعتراف بالفشل تحاول إلقاء اللوم على الجماهير، والتركيز على الفكرة التي مفادها أن الجماهير هي السبب المباشر والوحيد لما هي فيه من تخلّف وغيره، والأخطر من ذلك عندما تسعى إلى الانتقام منها عند الاختلاف معها في الرؤية وتسفيه رؤيتها باستخدام إستراتيجيات عديدة منها:

دور الجماهير هو تحديد الغايات والإجابة عن سؤال "ماذا نريد أن نحقق؟" وإضفاء الشرعية على صاحب القرار الذي تزكيه وترجّح الكفة إذا ترنحت بين النخب وتمارس الرقابة انطلاقا من أحكام مبنية على المؤشرات العامة أو النتائج النهائية بدون تدقيق في التفاصيل

1- إغراق الجماهير في بحر الاختصاص: حيث يهدف ذلك إلى إرباكها وكسر همتها بزرع الشك في قدرتها على إدراك الواقع، وهو ما يمكن التعبير عنه بمشهد كاريكاتوري يطالب فيه عامي ما بإصلاح المنظومة الصحية فيُقابل بأسئلة على نحو هل لديك فكرة عن مُركبات الأسبرين حتى تتحدث عن المنظومة الصحية؟ وهل تعلم كم يحرق محرك سيارة الإسعاف من لتر بنزين في الساعة؟ وهل تعرف كم طنا يحتمل عمود الخرسانة في بناية المستشفى؟ فيدفعه جهل الإجابة إلى الإحجام متراجعا عن مطلبه رغم شرعيته وعدم ضرورة الإحاطة بالتفاصيل التقنية اللامنتهية التفرع، والتي إن فقهها أحد جميعا صار أرقى من أن يسمى بشراً.

2- التضليل في دهاليز الإصطلاح: كأن ينتقد أحد النظام فيقال له أن نقيض النظام هو الفوضى فهل تريد نشر الفوضى. أو يعبر عن رفضه للدولة قاصدا الحكومة فيُنعت بالهمجية الرافضة للتحضر.
3- فصل المطالب عن سياقها: بحيث يصبح المطلب فضفاضا تبرع النخبة في التحكم فيه بالاسترسال والحشو فيتعاظم المضمون وتتلاشى الغاية، كأن يرفض قطاع من الجماهير الإنتخابات تحت سلطة ما فيُقابل بالتنظير في أهمية الانتخاب والاستفاضة في تبيان مبادئ التمثيل النيابي مثلا، ويُصرف الإنتباه عن كون الرفض مقتصرا على السلطة الراعية دون الإنتخابات نفسها.

4- نقل الإشكالات إلى سياق فلسفي: تعشق النخب الفلسفة لأنها فرصة للتذاكي دون كلفة الوصول إلى نتيجة ملموسة وتوفر أدوات تسمح بابتلاع الإشكالات وتغييبها داخل دوامة المفارقات، ومن الأمثلة الشائعة لذلك مواجهة المطالبين بإصلاح السلطة بسؤال "هل يبدأ الإصلاح من أعلى أم من أسفل؟" وهذه فلسفة محضة فمن البديهي أن يسهم المجتمع الصالح في إنتاج قيادات صالحة ومن المُسلَّم به كذلك أن تسهم القيادة الصالحة في إصلاح رعاياها، وكلا الأمرين نتيجةٌ وسببٌ للآخر ولا حاجة للاختيار بينهما ولا ضير من الإصلاح العمودي والأفقي في نفس الوقت وقد لا يكون الإصلاح ممكنا إلا في الاتجاهين في آن واحد، كلٌ يصلح بآليات تناسب موقعه. كمزارع له مَدجنة يرعى فيها طيوره ويعتني ببيوضها في حين واحد ولا يمنعه عن ذلك عدم قدرته على الجزم أسبقت الدجاجة البيضة أم تأخَّرت عنها.

5- نبش الخلافات وتسليط الضوء على دواعي التصادم: عندما يعجز البعض عن إقناع الجماهير بجدوى رؤيته وتحقيق القبول لمشروعه يتجه إلى محاولة تفتيتها بالتركيز على أسباب الخلاف لعله يظفر بتأييد شطر منها يوافق هواه، وهي ممارسة تشتهر بها نخب التيارات المتطرفة التي تغذي الإستقطاب وتزرع ألغام الإقصاء.
6- ممارسة المغالطات المنطقية: وهذا موضوع يطول تتفرع فيه الأساليب وتتعدد التقنيات التي تعتمد أساسا على ربط المعطيات والنتائج بما يبدو للمتلقي منطقيا ومقبولا والحقيقة غير ذلك تماما، وتكون حصيلة الاستنتاجات المزعومة مُضمرة مسبقا.

إن دور الجماهير هو تحديد الغايات والإجابة عن سؤال "ماذا نريد أن نحقق؟" وإضفاء الشرعية على صاحب القرار الذي تزكيه وترجّح الكفة إذا ترنحت بين النخب وتمارس الرقابة انطلاقا من أحكام مبنية على المؤشرات العامة أو النتائج النهائية بدون تدقيق في التفاصيل. أما النخب فتفعّل الوسائل والأدوات اللازمة للإجابة عن سؤال "كيف نحقق ما نريد؟" بتمحيص التفاصيل التقنية والقانونية والاجتهاد في إيجاد المخارج دون صدام مع الرؤية الشعبية. وأي محاولة لخلط الأدوار تقف عائقا أمام التغيير والإصلاح. فالطبيب -كونه نخبة متخصصة في مجاله- إذا قصده مدخن يريد علاج رئيتيه يقوم بكل مهنية بتشخيص حاله ووصف العلاج المناسب له مستثمرا رغبة مريضه في إصلاح جسده ثم ينصحه ببرنامج يتبعه للتخلص من بلواه، ولا يقْلب الباب في وجهه بعد أن يخبره أنه يستحق الاختناق فيما هو فيه لأنه المسؤول عن مآل وضعه. فالتصرف الأول هنا لا يحسنه إلا الطبيب الحق، أما الأخير فيقدر عليه كل مُدَّعٍ.

أحيانا يتجاوز الذكاء الجمعي للجماهير حذلقة النخب فلا يلقي لها بالا، ولا غرابة أن نشهد حراكا كحراك الجزائر يستمر في شعبويته داخلاً شهره الثامن مدفوعا بعواطف تمنحه غاية سامية، رافضا كل أشكال التمثيل النخبوي ومواجها سلطة الواقع بشكل مباشر بعد أن فقد الثقة في كافة قنوات التواصل معها، في جُمُعَاتٍ عرَّفها بالأعداد البسيطة تجنبا لأي تسميات تورطه في لعبة المصطلحات وتشتيت الغاية الواحدة إلى غايات أسبوعية متعددة. رافعا بعفوية شعارات على بساطتها إلا أنها تتميز بالمناعة ضد الاستقطاب وتُشخِّص الوضع بدقة متناهية وتصف حلولا لا لُبس فيها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة