رودجر فيدرير.. سمفونية المئوية وألحان ركام حاجز كونورز

أشبه بنسمات الصباح في هدوءه، وكالبركان هو ثائرٌ إذا ما قُرعت أجراس المنافسة وفتّحت أبواب بدايتها، تاريخ هو داخل التاريخ، بمسيرة نُقشت على أوراقها أحرف المجد الذي ما يلبث أن يبلغ ذروته في إحداها حتى تنحني له أخرى مُعلنةً ولادة آخر يحاكي أولاه في روعته، ويعلوا عليه في عظمته.

 

روجر فيدرير السويسري الذي أعاد ضبط ساعات التنس العالمي وعلى دقائقها نسج تاريخاً بخيوط التميز وسطر آخر بأحرف الإبداع، ساحر هو أنيق في مهاراته، صفتان نثر بأولاهما جمال، يسحر به الخصوم وثانيهما مهارات تُطيح آخرين، أناقة ظهرت منذ نشأته والذي أبصر النور في الثامن من أغسطس 1981، تاريخ ولادة أسطورة التنس السويسرية وراسم البهجة على محيا بلاد السلام وأيقونة مدنها بازل، فيدرير من لامست أنامله مضارب التنس في سن ال11 ربيعاً، وخطى أولى الخطوات فيها في فئة الناشئين فكان ما إن تفتنه مهارة حتى تستهويه أخرى، ليروي عطش التميز ويصعد سلالم الإبداع بخطوات ثابتة وبتسارع مهول.

 

وبكلمات اختصرت شخصية فيدرير اللاعب والتي جاءت على لسان مدربه عندما كان في سن العاشرة، ووقتها وصفه المدرب أدولف كاكوفيسكي بأن فيدرير يمتلك موهبة تجعل منه متقدم بخطوة أمام خصومه، تفانيه ومثابرته وإصراره لبلوغ حاجز الأفضل أتى بثماره فبعمر 14 ربيعاً أصبح فيدرير بطل سويسرا لجميع الفئات، تتويج كان بوابة لما هو بعده فواصل نثر سحره وتوشح ذهب ويمبلدون للناشئين، وأتبعها بتتويج آخر بلقب بطولة أورانج بويل، تسارع كان التألق هو رفيقه فنجح في رسم طريقه الخاصة في عالم التنس والتأقلم مع تطور اللعبة السريع والتي دخل عالم الاحتراف فيها 1998، ووقتها نافس أسماء لها من الثقل الشيء الكثير، ولامس الإبداع بمجرد احتكاكه مع كبار اللعبة آنذاك، فاستفاد من تجاربهم وأضاف نكهة خاصة لما يقدمه، فجمع بين موهبته الفطرية وبين اجتهاده المتواصل فكانت النتيجة قطار ما إن يبدأ حركته حتى يحمل على جنباته تميزاً ينافس به في جميع البطولات.

  

  

وكانت أولى البطولات ملامسة لطموحات السويسري بطولة غشتاد ورغم فشله في الظفر بها إلاّ أنها كانت بوابة لما هو قادم، تميز ساهم في الإيمان بقدرات صاحب 18 ربيعاً ليكون ضمن المنتخب السويسري في كأس ديفيز للعبة سنة 1999، واحتل وقتها المرتبة 66 عالمياً في قائمة الأفضل للاعبي التنس، حيث كان أصغر لاعب في القائمة المئوية للأفضل في العالم، سنوات عجاف مرّ بها السويسري حتى بزوغ سنة 2001 والتي كانت على موعدٍ مع أولى الانتصارات لفيدرير في رابطة المحترفين التنس والذي علا فيه كعب روجر على الفرنسي جوليان بوتيه بميلانو الإيطالية، لينجح في فرض اسمه تدريجياً بين كبار العالم، واكتملت أولى الابتسامات على محيا المايسترو سنة 2003 بتتويجه بلقب ويمبلدون لأساتذة التنس، تتويج كان بداية لإعصار يجتاح كل ما يقابله، و يُخلف ورائه بضع خصوم وعديد التتويجات، ليعتلي صدارة التصنيف العالمي لأفضل لاعبي التنس، حيث تربع على العرش العالمي من فبراير 2004 واستمر في تحديث مركزه حتى 2008 وبرصيد 237 أسبوع توالياً.

 

ولم يستسيغ فيدرير البطولات على الملاعب الرملية فلم يحقق الشيء الكثير في مونتي كارلو وهامبورغ وبطولة فرنسا المفتوحة للأساتذة، وعلى العكس من ذلك تماماً فنجم فيدرير ما يلبث أن يضيء في بطولة على الملاعب العشبية حتى يتوهج في أخرى، ومن بوابة بطولة هالي بدأ فيدير في ضبط دقائق الانتصارات بنسق سويسري أنيق وسلاسة في ضبط مواعيد التتويجات، وبعد تغيير الطاقم الفني والاستقرار على الأسترالي توني روش تمكن فيدرير من حصد بطولتي جراند سلام سنة 2005، وتلك كانت الانطلاقة الفعلية له فمن ذلك الوقت بدأت سمفونية الأداء تُعزف عالياً، و ألحان التتويجات يصل صداها إلى ما هو أبعد من نقاط وصلت إليها نجوم سبقته، ليحمل لواء الأمجاد ولا يتركه إلاّ لمجدٍ آخر يعلوه همّة ويسطع بريقاً أكثر من سابقه.

 

انتصارات وتتويجات متتالية وصدارة للتصنيف العالمي ما يلبث أن يزاح عنه لوهلة حتى يعود إليها ثانية، حتى قدوم سنة 2013 والتي كانت موعداً مع فشل كبير بالنظر لمسيرة المايسترو فلأول مرة يفشل فيها فيدرير من بلوغ أي نهائي في 4 أشهر الأولى من السنة، تراجع جاء على خلفية إصابة على مستوى الظهر ليحتل المركز 6 في التصنيف العالمي.

 

ومن تلك السنة المشؤومة بدأ نجم فيدرير يترنح بين خفتان وتوهج، مسيرة تتوشح ثوب المجد رداءً، وتكتسي التفرد في التميز تألقاً، وبآخر التتويجات والتي توشح فيها فيدرير رقم 10 ببطولة هالة الألمانية تلك كانت آخرها وأما إذا تحدثنا عن بقيتها فهي تحمل من الثقل الشيء الكثير وبمحصلة 20 لقب جراند سلام كرقم قياسي، و28 لقبا ببطولة الماسترز، و6 ألقاب بكأس الماسترز، بينما اعتلى منصات التتويج 24 مرة توّج فيها بلقب بطولات 500 نقطة، و25 مرة اكتسى ذهب بطولات 250 نقطة، تتويجات استمرت من 2003 وتواصلت حتى السنة الحالية جمع خلالها ما جمع، وما أن يمتلئ دفتر حتى يفتح آخر، لكتابة تتويج ولتأريخ مسيرة أسطورة متفردة بأدائها ومختلفة عما عهدناه.

  

103 عدد المرات التي توج فيها روجر فيدرير وبالعدد ذاته امتلك رقماً قياسياً لا يضاهيه فيه إلاّ الأمريكي جيمي كونورز والذي يحمل الرقم القياسي في عدد التتويجات 109 لقبٍ، رقم لا يعجز المايسترو عن بلوغه بل وحتى تحطيمه أو هكذا يعتقد عاشقيه، غراند سلام، سينسيناتي، هالي، مونتي كارلو، دبي، ميامي، بازل، أستراليا، أمريكا، رولان غاروس وغيرها، تعددت التسميات وبطولاتها وتوحدت في شخص المايسترو روجر فيدرير كلاعبٍ وبالاسم ذاته نُقشت حروف أسطورة على دفاتر التاريخ وبالحبر ذاته دوّن اسم فيدرير كاستثناء في عالم الكرة الصفراء، وعلى ألحان المايسترو الذي عزف منفرداً على تتويجات 103 ألقاب، يستمر العزف لتحطيم جدار جيمي كونورز و109 ألقاب، واعتلاء قائمة الأكثر تتويجاً في تاريخ التنس العالمي.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة